ابن كثير
231
البداية والنهاية
صيرت فمي لفيه باللثم لثام * عمدا ورشفت من ثناياه مدام فأزور وقال أنت في الفقه إمام * ريقي خمر وعندك الخمر حرام الملك الناصر داود بن المعظم عيسى بن العادل ، ملك دمشق بعد أبيه ، ثم انتزعت من يده وأخذها عمه الأشرف واقتصر على الكرك ونابلس ، ثم تنقلت به الأحوال وجرت له خطوب طوال حتى لم يبق معه شئ من المحال ، وأودع وديعة تقارب مائة ألف دينار عند الخليفة المستنصر فأنكره إياها ولم يردها عليه ، وقد كان له فصاحة وشعر جيد ، ولديه فضائل جمة ، واشتغل في علم الكلام على الشمس الخسر وشاهي تلميذ الفخر الرازي ، وكان يعرف علوم الأوائل جدا ، وحكوا عنه أشياء تدل إن صحت على سوء عقيدته فالله أعلم . وذكر أنه حضر أول درس ذكر بالمستنصرية في سنة ثنتين وثلاثين وستمائة ، وأن الشعراء أنشدوا المستنصر مدائح كثيرة ، فقال بعضهم في جملة قصيدة له : لو كنت في يوم السقيفة شاهدا * كنت المقدم والامام الأعظما فقال الناصر داود للشاعر : اسكت فقد أخطأت ، قد كان جد أمير المؤمنين العباس شاهدا يومئذ ، ولم يكن المقدم ، وما الامام الأعظم إلا أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فقال الخليفة : صدقت فكان هذا من أحسن ما نقل عنه رحمه الله تعالى ، وقد تقاصر أمره إلى أن رسم عليه الناصر بن العزيز بقرية البويضا لعمه مجد الدين يعقوب حتى توفي بها في هذه السنة ، فاجتمع الناس بجنازته ، وحمل منها فصلي عليه ودفن عند والده بسفح قاسيون . الملك المعز عز الدين أيبك التركماني ، أول ملوك الأتراك ، كان من أكبر مماليك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل ، وكان دينا صينا عفيفا كريما ، مكث في الملك نحوا من سبع سنين ( 1 ) ثم قتلته زوجته شجرة الدر أم خليل ، وقام في الملك من بعده ولده نور الدين علي ، ولقب بالملك المنصور ، وكان مدير مملكته مملوك أبيه سيف الدين قطز ، ثم عزله واستقل بالملك بعده نحوا من سنة وتلقب بالمظفر ، فقدر الله كسرة التتار على يديه بعين جالوت . وقد بسطنا هذا كله في الحوادث فيما تقدم وما سيأتي .
--> ( 1 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 295 : سبع سنين وثلاثة أشهر . منها مدة انفراده بالسلطنة خمس سنين وثلاثة أشهر . وفي ابن خلدون 5 / 377 : لثلاث سنين من ولايته .