ابن كثير
208
البداية والنهاية
فأقدموه إليهم سريعا ، وذلك بإشارة أكابر الامراء منهم فخر الدين بن الشيخ ، فلما قدم عليهم ملكوه عليهم وبايعوه أجمعين ، فركب في عصائب الملك وقاتل الفرنج فكسرهم وقتل منهم ثلاثين ألفا ولله الحمد . وذلك في أول السنة الداخلة . ثم قتلوه بعد شهرين من ملكه ، ضربه بعض الامراء وهو عز الدين أيبك التركماني ، فضربه في يده فقطع بعض أصابعه فهرب إلى قصر من خشب في المخيم فحاصروه فيه وأحرقوه عليه ، فخرج من بابه مستجيرا برسول الخليفة فلم يقبلوا منه ، فهرب إلى النيل فانغمر فيه ثم خرج فقتل سريعا شر قتلة وداسوه بأرجلهم ودفن كالجيفة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وكان فيمن ضربه البندقداري على كتفه فخرج السيف من تحت إبطه الآخر وهو يستغيث فلا يغاث . وممن قتل في هذه السنة : فخر الدين يوسف بن الشيخ بن حمويه وكان فاضلا دينا مهيبا وقورا خليقا بالملك ، كانت الامراء تعظمه جدا ، ولو دعاهم إلى مبايعته بعد الصالح لما اختلف عليه اثنان ، ولكنه كان لا يرى ذلك حماية لجانب بني أيوب ، قتلته الداوية من الفرنج شهيدا قبل قدوم المعظم توران شاه إلى مصر ، في ذي القعدة ، ونهبت أمواله وحواصله وخيوله ، وخربت داره ولم يتركوا شيئا من الافعال الشنيعة البشعة إلا صنعوه به ، مع أن الذين تعاطوا ذلك من الامراء كانوا معظمين له غاية التعظيم . ومن شعره : عصيت هوى نفسي صغيرا فعندما * رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر أطعت الهوى عكس القضية ليتني * خلقت كبيرا ثم عدت إلى الصغر ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وستمائة في ثالث المحرم يوم الأربعاء كان كسر المعظم توران شاه للفرنج على ثغر دمياط ، فقتل منهم ثلاثين ألفا وقيل مائة ألف ، وغنموا شيئا كثيرا ولله الحمد . ثم قتل جماعة من الامراء الذين أسروا ، وكان فيمن أسر ملك الفرنسيس وأخوه ، وأرسلت غفارة ملك الافرنسيس إلى دمشق فلبسها نائبها في يوم الموكب ، وكانت من سقرلاط تحتها فروسنجاب ، فأنشد في ذلك جماعة من الشعراء فرحا بما وقع ، ودخل الفقراء كنيسة مريم فأقاموا بها فرحا لما نصر الله تعالى على النصارى ، وكادوا أن يخربوها وكانت النصارى ببعلبك فرحوا حين أخذت النصارى دمياط ، فلما كانت هذه الكسرة عليهم سخموا وجوه الصور ، فأرسل نائب البلد فجناهم وأمر اليهود فصفعوهم ، ثم لم يخرج شهر المحرم ( 1 ) حتى قتل الامراء ابن أستاذهم توران شاه ، ودفنوه إلى
--> ( 1 ) في بدائع الزهور : في تاسع المحرم .