ابن كثير
206
البداية والنهاية
الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكي عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الرويني ثم المصري ، العلامة أبو عمرو شيخ المالكية كان أبوه صاحبا ( 1 ) للأمير عز الدين موسك الصلاحي ، واشتغل هو بالعلم فقرأ القراءات وحرر النحو تحريرا بليغا ، وتفقه وساد أهل عصره ، ثم كان رأسا في علوم كثيرة ، منها الأصول والفروع والعربية والتصريف والعروض والتفسير وغير ذلك . وقد كان استوطن دمشق في سنة سبع عشرة وستمائة ، ودرس بها للمالكية بالجامع حتى كان خروجه بصحبة الشيخ عز الدين بن عبد السلام في سنة ثمان وثلاثين ، فصارا إلى الديار المصرية حتى كانت وفاة الشيخ أبي عمرو في هذه السنة بالإسكندرية ، ودفن بالمقبرة التي بين المنارة والبلد . قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة : وكان من أذكى الأئمة قريحة ، وكان ثقة حجة متواضعا عفيفا كثير الحياء منصفا محبا للعلم وأهله ، ناشرا له محتملا للأذى صبورا على البلوى ، قدم دمشق مرارا آخرها سنة سبع عشرة ، فأقام بها مدرسا للمالكية وشيخا للمستفيدين عليه في علمي القراءات والعربية ، وكان ركنا من أركان الدين في العلم والعمل ، بارعا في العلوم متقنا لمذهب مالك بن أنس رحمه الله تعالى . وقد أثنى عليه ابن خلكان ثناء كثيرا ، وذكر أنه جاء إليه في أداء شهادة حين كان نائبا في الحكم بمصر وسأله عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط ، إذا قال : إن أكلت إن شربت فأنت طالق ، لم كان يقع الطلاق حين شربت أولا ؟ وذكر أنه أجاب عن ذلك في تؤدة وسكون . قلت ومختصره في الفقه من أحسن المختصرات ، انتظم فيه فوائد ابن شاش ، ومختصره في أصول الفقه ، استوعب فيه عامة فوائد الاحكام لسيف الدين الآمدي ، وقد من الله تعالى علي بحفظه وجمعت كراريس في الكلام على ما أودعه فيه من الأحاديث النبوية ، ولله الحمد . وله شرح المفصل والأمالي في العربية والمقدمة المشهورة في النحو ، اختصر فيها مفصل الزمخشري وشرحها ، وقد شرحها غيره أيضا ، وله التصريف وشرحه ، وله عروض على وزن الشاطبية رحمه الله ورضي عنه . ثم دخلت سنة سبع وأربعين وستمائة فيها كانت وفاة الملك الصالح أيوب ( 2 ) ، وقتل ابنه توران شاه ( 3 ) وتولية المعز عز الدين أيبك التركماني ( 4 ) . وفي رابع المحرم يوم الاثنين توجه الملك الصالح من دمشق إلى الديار المصرية في
--> ( 1 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 277 : حاجبا للأمير يوشك الصلاحي . ( انظر تاريخ أبي الفداء 3 / 178 ) . ( 2 ) توفي ليلة الأحد ل 14 ليلة مضت من شعبان وكانت مدة مملكته للديار المصرية تسع سنين وثمانية أشهر وعشرين يوما وكان عمره نحو 44 سنة . ( تاريخ أبي الفداء - بدائع الزهور ) . ( 3 ) وكان ذلك 9 محرم سنة ثمان وأربعين ، ( بدائع الزهور 1 / 1 / 285 ) وقال أبو الفداء في تاريخه : يوم الاثنين لليلة بقيت من المحرم يعني سنة 648 ( 3 / 181 ) . ( 4 ) بعد قتل تورانشاه اتفق الامراء والعسكر على تولية شجرة الدر زوجة الملك الصالح أيوب وعلى أن يكون أيبك التركماني مدبر المملكة معها . ثم تنازلت شجرة الدر وتزوجت بأيبك وبويع بالسلطنة له بعد خلع شجرة الدر وذلك يوم السبت آخر ربيع الآخرة سنة 648 . ( بدائع الزهور - تاريخ أبي الفداء ) .