ابن كثير

200

البداية والنهاية

الحافظان المفيدان شرف الدين أحمد بن الجوهري ( 1 ) وتاج الدين عبد الجليل الأبهري . ثم دخلت سنة أربع وأربعين وستمائة فيها كسر المنصور الخوارزمية عند بحيرة حمص واستقرت يد نواب الصالح أيوب على دمشق وبعلبك وبصرى ، ثم في جمادى الآخرة كسر فخر الدين بن الشيخ الخوارزمية على الصلت كسرة فرق بقية شملهم ، ثم حاصر الناصر بالكرك ورجع عنه إلى دمشق . وقدم الصالح أيوب إلى دمشق في ذي القعدة فأحسن إلى أهلها وتسلم هذه المدن المذكورة ، وانتزع صرخد من يد عز الدين أيبك ، وعوضه عنها ، وأخذ الصلت من الناصر داود بن المعظم وأخذ حصن الصبية من السعيد بن العزيز بن العادل ، وعظم شأنه جدا ، وزار في رجوعه بيت المقدس وتفقد أحواله وأمر بإعادة أسواره أن تعمر كما كانت في الدولة الناصرية ، فاتح القدس ، وأن يصرف الخراج وما يتحصل من غلات بيت المقدس في ذلك ، وإن عاز شيئا صرفه من عنده . وفيها قدمت الرسل من عند البابا الذي للنصارى تخبر بأنه قد أباح دم الا بدور ملك الفرنج لتهاونه في قتال المسلمين ، وأرسل طائفة من عنده ليقتلوه ، فلما انتهوا إليه كان استعد لهم وأجلس مملوكا له على السرير فاعتقدوه الملك فقتلوه ، فعند ذلك أخذهم الا بدور فصلبهم على باب قصره بعد ما ذبحهم وسلخهم وحشى جلودهم تبنا ، فلما بلغ ذلك البابا أرسل إليه جيشا كثيفا لقتاله فأوقع الله الخلف بينهم بسبب ذلك ، وله الحمد والمنة . وفيها هبت رياح عاصفة شديدة بمكة في يوم الثلاثاء من عشر ربيع الآخر ، فألقت ستارة الكعبة المشرفة ، وكانت قد عتقت ، فإنها من سنة أربعين لم تجدد لعدم الحج في تلك السنين من ناحية الخليفة ، فما سكنت الريح إلا والكعبة عريانة قد زال عنها شعار السواد ، وكان هذا فألا على زوال دولة بني العباس ، ومنذرا بما سيقع بعد هذا من كائنة التتار لعنهم الله تعالى . فاستأذن نائب اليمن عمر بن سول شيخ الحرم العفيف بن منعة في أن يكسو الكعبة ، فقال لا يكون هذا إلا من مال الخليفة ، ولم يكن عنده مال فاقترض ثلاثمائة دينار واشترى ثياب قطن وصبغها سوادا وركب عليها طرازاتها العتيقة وكسى بها الكعبة ومكثت الكعبة ليس عليها كسوة إحدى وعشرين ليلة . وفيها فتحت دار الكتب التي أنشأها الوزير مؤيد الدين محمد بن أحمد العلقمي بدار الوزارة ، وكانت في نهاية الحسن ، ووضع فيها من الكتب النفيسة والنافعة شئ كثير ، وامتدحها الشعراء بأبيات وقصائد حسانا وفي أواخر ذي الحجة طهر الخليفة المستعصم بالله ولديه الأميرين أبا العباس أحمد ، وأبا الفضائل عبد الرحمن ، وعملت ولائم فيها كل أفراح ومسرة ، لا يسمع بمثلها من

--> ( 1 ) وهو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن نبهان الدمشقي " أبو العباس " سمع من أبي المجد القزويني كان ذكيا متقنا رئيسا ثقة مات وله أربعون سنة .