ابن كثير

190

البداية والنهاية

والعشرين منه قرئ منشور ولاية القضاء بدمشق لمحيي الدين بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى القرشي ، بالشباك الكمالي من الجامع ، كذا قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة . وزعم السبط أن عزله إنما كان في السنة الآتية ، وذكر أن سبب هلاكه أنه كتب إلى الملك الصالح يقول له : إنه قد أورد إلى خزانته من الأموال ألف ألف دينار من أموال الناس . فأنكر الصالح ذلك ، ورد عليه الجواب أنه لم يرد سوى ألف ألف درهم ، فأرسل القاضي يقول فأنا أحاقق الوزير ، وكان الصالح لا يخالف الوزير ، فأشار حينئذ على الصالح فعزله لتبرأ ساحة السلطان من شناعات الناس ، فعزله وكان من أمره ما كان . وفوض أمر مدارسه إلى الشيخ تقي الدين بن الصلاح فعين العادلية للكمال التفليسي ، والعذراوية لمحيي الدين بن الزكي الذي ولي القضاء بعده ، والأمينية لابن عبد الكافي ، والشامية البرانية للتقي الحموي ، وغيب القاضي الرفيع وأسقط عدالة شهوده ، قال السبط : أرسله الأمين مع جماعة على بغل باكاف لبعض النصارى إلى مغارة أفقه في جبل لبنان من ناحية الساحل ، فأقام بها أياما ثم أرسل إليه عدلين من بعلبك ليشهدا عليه ببيع أملاكه من أمين الدولة ، فذكر أنهما شاهداه وعليه يخفيفة وقندورة ، وأنه استطعمهما شيئا من الزاد وذكر أن له ثلاثة أيام لم يأكل شيئا ، فأطعماه من زوادتهما وشهدا عليه وانصرفا ، ثم جاءه داود النصراني فقال له قم فقد أمرنا بحملك إلى بعلبك ، فأيقن بالهلاك حينئذ ، فقال دعوني أصلي ركعتين ، فقال له : قم ، فقام يصلي فأطال الصلاة فرفسه النصراني فألقاه من رأس الجبل إلى أسفل الوادي الذي هناك ، فما وصل حتى تقطع ، وحكي أنه تعلق ذيله بسن الجبل فما زال داود يرميه بالحجارة حتى ألقاه إلى أسفل الوادي ، وذلك عند السقيف المطل على نهر إبراهيم . قال السبط : وقد كان فاسد العقيدة دهريا مستهزئا بأمور الشرع ، يخرج إلى المجلس سكرانا ويحضر إلى الجمعة كذلك ، وكانت داره كالحانات . فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال : وأخذ الموفق الواسطي أحد أمنائه - وكان من أكبر البلايا - أخذ لنفسه من أموال الناس ستمائة ألف درهم ، فعوقب عقوبة عظيمة حتى أخذت منه ، وقد كسرت ساقاه ومات تحت الضرب ، فألقي في مقابر اليهود والنصارى ، وأكلته الكلاب . وممن توفي فيها من الأعيان : الشيخ شمس الدين أبو الفتوح أسعد بن المنجى التنوخي المعري الحنبلي ، قاضي حران قديما ، ثم قدم دمشق ودرس بالمسمارية وتولى خدما في الدولة المعظمية ، وكانت له رواية عن ابن صابر والقاضيين الشهرزوري وابن أبي عصرون ، وكانت وفاته في سابع ربيع الأول من هذه السنة رحمه الله تعالى .