ابن كثير

19

البداية والنهاية

وجهه إلى وجه واحد وهو وجه الله ، صرف الوجوه إليه كلها ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين الله ) [ العنكبوت : 69 ] . وفي هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها الملك صلاح الدين للفرنج ( 1 ) فأقبلوا بحدهم وحديدهم ، فتلقاهم الملك العادل بمرج عكا فكسرهم وغنمهم ، وفتح يافا عنوة ولله الحمد والمنة . وقد كانوا كتبوا إلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت المقدس فقدر الله هلاكه سريعا ، وأخذت الفرنج في هذه السنة بيروت من نائبها عز الدين شامة ( 2 ) من غير قتال ولا نزال ، ولهذا قال بعض الشعراء في الأمير شامة ( 1 ) : سلم الحصن ما عليك ملامة * ما يلام الذي يروم السلامة فتعطى الحصون من غير حرب * سنة سنها ببيروت شامة ومات فيها ملك الفرنج كندهري ، سقط من شاهق فمات ، فبقيت الفرنج كالغنم بلا راع ، حتى ملكوا عليهم صاحب قبرس ( 3 ) وزوجوه بالملكة امرأة كندهري ، وجرت خطوب كثيرة بينهم وبين العادل ، ففي كلها يستظهر عليهم ويكسرهم ، ويقتل خلقا من مقاتلتهم ، ولم يزالوا كذلك معه حتى طلبوا الصلح والمهادنة ، فعاقدهم على ذلك في السنة الآتية . وفيها توفي ملك اليمن : سيف الاسلام طغتكين أخو السلطان صلاح الدين ، وكان قد جمع أموالا جزيلة جدا ، وكان يسبك الذهب مثل الطواحين ويدخره كذلك ، وقام في الملك بعده ولده إسماعيل ، وكان أهوج قليل التدبير ، فحمله جهله على أن ادعى أنه قرشي أموي ، وتلقب بالهادي ، فكتب إليه عمه العادل ينهاه عن ذلك ويتهدده بسبب ذلك ، فلم يقبل منه ولا التفت إليه ، بل تمادى وأساء التدبير إلى الامراء والرعية ، فقتل وتولى بعده مملوك من مماليك أبيه . وفيها توفي :

--> ( 1 ) كذا بالأصل ، والواقع أن هدنة صلاح الدين على ما ذكرنا ثلاث سنين وثمانية أشهر على ما ذكره بعضهم اعتبارا من أواخر شعبان 588 ه‍ . وبعد وفاته جدد العزيز الهدنة مع كندهري ملك الفرنج وزاد في مدة الهدنة فبقي ذلك إلى الآن . ( انظر الكامل 12 / 126 ، ابن خلدون 5 / 333 ) ( 2 ) في الكامل وابن خلدون وتاريخ الحروب الصليبية : أسامة . ( 3 ) صاحب قبرص واسمه املريك وقد تزوج بإيزابيللا أرملة هنري كونت شامبانيا وقد مات بسقوطه من نافذة قصره وهو يستعرض عساكره بعكا ( الكامل 12 / 130 - الروضتين 2 / 116 - تاريخ الحروب الصليبية 3 / 172 ) .