ابن كثير
186
البداية والنهاية
المؤمنين بكرة يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة ( 1 ) ، وله من العمر إحدى وخمسون سنة ، وأربعة أشهر وسبعة أيام ( 2 ) ، وكتم موته حتى كان الدعاء له على المنابر ذلك اليوم ، وكانت مدة ولايته ست عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة وعشرين يوما ( 3 ) ، ودفن بدار الخلافة ، ثم نقل إلى الترب من الرصافة . وكان جميل الصورة حسن السريرة جيد السيرة ، كثير الصدقات والبر والصلات ، محسنا إلى الرعية بكل ما يقدر عليه ، كان جده الناصر قد جمع ما يتحصل من الذهب في بركة في دار الخلافة ، فكان يقف على حافتها ويقول : أترى أعيش حتى أملاها ، وكان المستنصر يقف على حافتها ويقول أترى أعيش حتى أنفقها كلها . فكان يبني الربط والخانات والقناطر في الطرقات من سائر الجهات ، وقد عمل بكل محلة من محال بغداد دار ضيافة للفقراء ، لا سيما في شهر رمضان ، وكان يتقصد الجواري اللائي قد بلغن الأربعين فيشترين له فيعتقهن ويجهزهن ويزوجهن ، وفي كل وقت يبرز صلاته ألوف متعددة من الذهب ، تفرق في المحال ببغداد على ذوي الحاجات والأرامل والأيتام وغيرهم ، تقبل الله تعالى منه وجزاه خيرا ، وقد وضع ببغداد المدرسة المستنصرية للمذاهب الأربعة ، وجعل فيها دار حديث وحماما ودار طب ، وجعل لمستحقيها من الجوامك والأطعمة والحلاوات والفاكهة ما يحتاجون إليه في أوقاته ، ووقف عليها أوقافا عظيمة حتى قيل إن ثمن التبن من غلات ريعها يكفي المدرسة وأهلها . ووقف فيها كتبا نفيسة ليس في الدنيا لها نظير ، فكانت هذه المدرسة جمالا لبغداد وسائر البلاد ( 4 ) ، وقد احترق في أول هذه السنة المشهد الذي بسامرا المنسوب إلى علي الهادي والحسن العسكري ، وقد كان بناه أرسلان البساسيري في أيام تغلبه على تلك النواحي ، في حدود سنة خمسين وأربعمائة ، فأمر الخليفة المستنصر بإعادته إلى ما كان عليه ، وقد تكلمت الروافض في الاعتذار عن حريق هذا المشهد بكلام طويل بارد لا حاصل له ، وصنفوا فيه أخبارا وأنشدوا أشعارا كثيرة لا معنى لها ، وهو المشهد الذي يزعمون أنه يخرج منه المنتظر الذي لا حقيقة له ، فلا عين ولا أثر ، ولو لم يبن لكان أجدر ، وهو الحسن بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن علي بن محمد بن الباقر بن علي زين
--> ( 1 ) في نهاية الإرب 23 / 322 : لعشر خلون من جمادى الأولى ، وفي الجواهر الثمين 1 / 218 : في ثاني وعشرين جمادى الآخرة سنة 639 ه . ( 2 ) في دول الاسلام 2 / 145 : وله اثنتان وخمسون سنة . وفي خلاصة الذهب المسبوك ص 288 : اثنتان وخمسون سنة وستة أشهر وسبعة عشر يوما . ( 3 ) في خلاصة الذهب المسبوك ص 289 : ست عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما . وفي نهاية الإرب 23 / 322 : سبع عشرة سنة إلا ثلاثة أشهر وثلاثين يوما . وفي دول الاسلام 2 / 146 : سبع عشرة سنة . ( 4 ) وتسمى أيضا بالمدرسة الشاطئية . قال صاحب مرآة الزمان 8 / 739 فيها : " وليس في الدنيا مثل هذه المدرسة ، ولا بني مثلها في سالف الأعوام ، فهي في العراق كجامع دمشق وقبة الصخرة بالشام " وبشأنها جاء في دول الاسلام حوليات 631 ه : " وفيها تكامل بناء المدرسة المستنصرية ، قيل أن قيمة ما وقف عليها يساوي ألف ألف دينار ، غلت في بعض السنين سبعين ألف دينار " .