ابن كثير

179

البداية والنهاية

الحافظ الكبير زكي الدين أبو عبد الله ( 1 ) محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الإشبيلي ، أحد من اعتنى بصناعة الحديث وبرز فيه ، وأفاد الطلبة ، وكان شيخ الحديث بمشهد ابن عروة ، ثم سافر إلى حلب ، فتوفي بحماه في رابع عشر رمضان من هذه السنة ، وهو جد شيخنا الحافظ علم الدين بن القاسم بن محمد البرزالي ، مؤرخ دمشق الذي ذيل على الشيخ شهاب الدين أبي شامة ، وقد ذيلت أنا على تاريخه بعون الله تعالى . ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وستمائة استهلت هذه السنة وسلطان دمشق نجم الدين الصالح أيوب بن الكامل مخيم عند نابلس ، يستدعي عمه الصالح إسماعيل ليسير إلى الديار المصرية ، بسبب أخذها من صاحبها العادل بن الكامل ، وقد أرسل الصالح إسماعيل ولده وابن يغمور إلى صحبة الصالح أيوب ، فهما ينفقان الأموال في الامراء ويحلفانهم على الصالح أيوب للصالح إسماعيل ، فلما تم الامر وتمكن الصالح إسماعيل من مراده أرسل إلى الصالح أيوب يطلب منه ولده ليكون عوضه ببعلبك ، ويسير هو إلى خدمته ، فأرسله إليه وهو لا يشعر بشئ مما وقع ، وكل ذلك عن ترتيب أبي الحسن غزال المتطبب وزير الصالح - وهو الأمين واقف أمينية بعلبك - فلما كان يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر هجم الملك الصالح إسماعيل وفي صحبته أسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى دمشق ، فدخلاها بغتة من باب الفراديس ، فنزل الصالح إسماعيل بداره من درب الشعارين ، ونزل صاحب حمص بداره ، وجاء نجم الدين بن سلامة فهنأ الصالح إسماعيل ورقص بين يديه وهو يقول : إلى بيتك جئت . وأصبحوا فحاصروا القلعة وبها المغيث عمر بن الصالح نجم الدين ، ونقبوا القلعة من ناحية باب الفرج ، وهتكوا حرمتها ودخلوها وتسلموها واعتقلوا المغيث في برج هنالك . قال أبو شامة : واحترقت دار الحديث وما هنالك من الحوانيت والدور حول القلعة . ولما وصل الخبر بما وقع إلى الصالح أيوب تفرق عنه أصحابه والامراء خوفا على أهاليهم من الصالح إسماعيل ، وبقي الصالح أيوب وحده بمماليكه وجاريته أم ولده خليل ، وطمع فيه الفلاحون والفوارنة ، وأرسل الناصر داود صاحب الكرك إليه من أخذه من نابلس مهانا على بغلة بلا مهماز ولا مقدمة ، فاعتقله عنده سبعة أشهر ، وأرسل العادل من مصر إلى الناصر يطلب منه أخاه الصالح أيوب ويعطيه مائة ألف دينار ، فما أجابه إلى ذلك ، بل عكس ما طلب منه بإخراج الصالح من سجنه والافراج عنه وإطلاقه من الحبس يركب وينزل ، فعند ذلك حاربت الملوك من دمشق ومصر وغيرهما الناصر

--> ( 1 ) في الأصل : أبو عبد الله بن محمد وهو خطأ .