ابن كثير

160

البداية والنهاية

ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا ، وكان مع ذلك شهما شجاعا فاتكا بطلا عاقلا عالما عادلا رحمه الله وأكرم مثواه . وقد صنف الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له مجلدا في المولد النبوي سماه : " التنوير في مولد البشير النذير " ، فأجازه على ذلك بألف دينار ، وقد طالت مدته في الملك في زمان الدولة الصلاحية ، وقد كان محاصر عكا وإلى هذه السنة محمود السيرة والسريرة ، قال السبط : حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي ، وعشرة آلاف دجاجة ، ومائة ألف زبدية ، وثلاثين ألف صحن حلوى ، قال : وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر ، ويرقص بنفسه معهم ، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة ، وكانت صدقاته في جميع القرب والطاعات على الحرمين وغيرهما ، ويتفك من الفرنج في كل سنة خلقا من الأسارى ، حتى قيل إن جملة من استفكه من أيديهم ستون ألف أسير ، قالت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب ( 1 ) - وكان قد زوجه إياها أخوها صلاح الدين ، لما كان معه على عكا - قالت : كان قميصه لا يساوي خمسة دراهم فعاتبته بذلك فقال : لبسي ثوبا بخمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبا مثمنا وأدع الفقير المسكين ، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار ، وعلى دار الضيافة في كل سنة مائة ألف دينار . وعلى الحرمين والمياه بدرب الحجاز ثلاثين ألف دينار سوى صدقات السر ، رحمه الله تعالى ، وكانت وفاته بقلعة إربل ، وأوصى أن يحمل إلى مكة فلم يتفق ( 2 ) فدفن بمشهد علي . والملك العزيز بن عثمان بن العادل وهو شقيق المعظم ، كان صاحب بانياس وتملك الحصون التي هنالك ، وهو الذي بنى المعظمية . وكان عاقلا قليل الكلام مطيعا لأخيه المعظم ، ودفن عنده وكانت وفاته يوم الاثنين عاشر رمضان ببستانه الناعمة من لهيا ( 3 ) رحمه الله وعفا عنه . أبو المحاسن محمد بن نصر الدين بن نصر ابن الحسين بن علي بن محمد بن غالب الأنصاري ، المعروف بابن عنين الشاعر . قال ابن الساعي أصله من الكوفة وولد بدمشق ونشأ بها ، وسافر عنها سنين ، فجاب الأقطار والبلاد شرقا

--> ( 1 ) قال ابن خلكان 4 / 120 : توفيت بدمشق في شعبان سنة 643 ، وغالب ظني أنها جاوزت ثمانين سنة ، ودفنت في مدرستها الموقوفة على الحنابلة بسفح قاسيون . ( 2 ) قال في الوفيات : سيروه مع الركب إلى الحجاز ، فرجع الحاج تلك السنة من لينة - وهي منزلة في طريق الحجاز من جهة العراق - لعدم الماء وقاسوا مشقة عظيمة ، ولم يصلوا إلى مكة فردوه ودفنوه بالكوفة بالقرب من المشهد . ( 3 ) وهي قرية بيت لهيا . من صالحية دمشق .