ابن كثير

149

البداية والنهاية

الخوارزمي استحوذ على بلاد خلاط وقتل من أهلها خلقا كثيرا ونهب أموالا كثيرة ، فالتقى معه الأشرف واقتتلوا قتالا عظيما فهزمه الأشرف هزيمة منكرة ، وهلك من الخوارزمية خلق كثير ، ودقت البشائر في البلاد فرحا بنصرة الأشرف على الخوارزمية ، فإنهم كانوا لا يفتحون بلدا إلا قتلوا من فيه ونهبوا أموالهم ، فكسرهم الله تعالى . وقد كان الأشرف رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قبل الوقعة وهو يقول له : يا موسى أنت منصور عليهم ولما فرغ من كسرتهم عاد إلى بلاد خلاط فرمم شعثها وأصلح ما كان فسد منها . ولم يحج أحد من أهل الشام في هذه السنة ولا في التي قبلها ، وكذا فيما قبلها أيضا ، فهذه ثلاث سنين لم يسر من الشام أحد إلى الحج . وفيها أخذت الفرنج جزيرة سورقة وقتلوا بها خلقا وأسروا آخرين ، فقدموا بهم إلى الساحل فاستقبلهم المسلمون فأخبروا بما جرى عليهم من الفرنج . وممن توفي فيها من الأعيان : زين الامناء الشيخ الصالح أبو البركات بن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن زين الامناء بن عساكر الدمشقي الشافعي ، سمع على عميه الحافظ أبي القاسم والصائن وغير واحد ، وعمر وتفرد بالرواية وجاوز الثمانين بنحو من ثلاث سنين ، وأقعد في آخر عمره فكان يحمل في محفة إلى الجامع وإلى دار الحديث النورية لاسماع الحديث ، وانتفع به الناس مدة طويلة ، ولما توفي حضر الناس جنازته ودفن عند أخيه الشيخ فخر الدين بن عساكر بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى . الشيخ بيرم المارديني كان صالحا منقطعا محبا للعزلة عن الناس ، وكان مقيما بالزاوية الغربية من الجامع ، وهي التي يقال لها الغزالية ، وتعرف بزاوية الدولعي وبزاوية القطب النيسابوري ، وبزاوية الشيخ أبي نصر المقدسي ، قاله الشيخ شهاب الدين أبو شامة ، وكان يوم جنازته مشهودا ، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى وعفا عنه بمنه وكرمه . ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وستمائة استهلت هذه السنة والملك الأشرف موسى بن العادل مقيم بالجزيرة مشغول فيها بإصلاح ما كان جلال الدين الخوارزمي قد أفسده من بلاده ، وقد قدمت التتار في هذه السنة إلى الجزيرة وديار بكر فعاثوا بالفساد يمينا وشمالا ، فقتلوا ونهبوا وسبوا على عادتهم خذلهم الله تعالى . وفيها رتب إمام بمشهد أبي بكر من جامع دمشق وصليت فيه الصلوات الخمس . وفيها درس الشيخ تقي