ابن كثير

79

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة في صفر منها وقع الحرب بين الروافض والسنة ، فقتل من الفريقين خلق كثير ، وذلك أن الروافض نصبوا أبراجا وكتبوا عليها بالذهب : محمد وعلي خير البشر ، فمن رضي فقد شكر ، ومن أبى فقد كفر . فأنكرت السنة إقران علي مع محمد صلى الله عليه وسلم في هذا ، فنشبت الحرب بينهم ، واستمر القتال بينهم إلى ربيع الأول ، فقتل رجل هاشمي فدفن عند الإمام أحمد ، ورجع السنة من دفنه فنهبوا مشهد موسى بن جعفر وأحرقوا من ضريح موسى ومحمد الجواد ، وقبور بني بويه ، وقبور من هناك من الوزرا وأحرق قبر جعفر بن المنصور ، ومحمد الأمين ، وأمه زبيدة ، وقبور كثيرة جدا ، وانتشرت الفتنة وتجاوزوا الحدود ، وقد قابلهم أولئك الرافضة أيضا بمفاسد كثيرة ، وبعثروا قبورا قديمة ، وأحرقوا من فيها من الصالحين ، حتى هموا بقبر الإمام أحمد ، فمنعهم النقيب ، وخاف من غائلة ذلك ، وتسلطا على الرافضة عيار يقال له القطيعي ، وكان يتبع رؤوسهم وكبارهم فيقتلهم جهارا وغيلة ، وعظمت المحنة بسببه جدا ، ولم يقدر عليه أحد ، وكان في غاية الشجاعة والبأس والمكر ، ولما بلغ ذلك دبيس بن علي بن مزيد - وكان رافضيا - قطع خطبة الخليفة ، ثم روسل فأعادها . وفي رمضان منها جاءت من الملك طغرلبك رسل شكر للخليفة على إحسانه إليه بما كان بعثه له من الخلع والتقليد وأرسل إلى الخليفة بعشرين ألف دينار ، وإلى الحاشية بخمسة آلاف ، وإلى رئيس الرؤساء بألفي دينار ، وقد كان طغرلبك حين عمر الري وخرب فيها أماكن وجد فيها دفائن كثيرة من الذهب والجوهر ، فعظم شأنه بذلك ، وقوي ملكه بسببه . وممن توفي فيها من الأعيان . . . محمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن الشاعر البصروي ، نسبة إلى قرية دون عكبرا يقال لها بصرى باسم المدينة التي هي أم حوران ، وقد سكن بغداد ، وكان متكلما مطبوعا ، له نوادر ، من شعره قوله : نرى الدنيا وشهوتها فنصبوا ( 1 ) * وما يخلو من الشهوات قلب فلا يغررك زخرف ما تراه * وعيش لين الاعطاف ( 2 ) رطب فضول العيش أكثرها هموم * وأكثر ما يضرك ما تحب إذا ما بلغة جاءتك عفوا * فخذها فالغنى مرعى وشرب إذا اتفق ( 3 ) القليل وفيه سلم * فلا ترد الكثير وفيه حرب

--> ( 1 ) في الكامل 9 / 581 والكتبي 2 / 156 : ترى الدنيا وزينتها فتصبو ، وفي الوافي 1 / 120 : وزهرتها . ( 2 ) في الوافي : الأطراف . ( 3 ) في الوافي : حصل .