ابن كثير
424
البداية والنهاية
وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) [ الأحزاب : 25 ] . ثم إن ملك الانكليز لعنه الله - وهو أكبر ملوك الفرنج ذلك الحين - ظفر ببعض فلول المسلمين فكبسهم ليلا فقتل منهم خلقا كثيرا ، وأسر منهم خمسمائة أسير ، وغنم منهم شيئا كثيرا من الأموال والجمال ، والخيل والبغال ، وكان جملة الجمال ثلاثة آلاف بعير ( 1 ) ، فتقوى الفرنج بذلك ، وساء ذلك السلطان مساءة عظيمة جدا ، وخاف من غائلة ذلك ، واستخدم الانكليز الجمالة على الجمال ، والخربندية على البغال ، والسياس على الخيل ، وأقبل وقد قويت نفسه جدا ، وصمم على محاصرة القدس ، وأرسل إلى ملوك الفرنج الذين بالساحل ، فاستحضرهم ومن معهم من المقاتلة ، فتعبأ السلطان لهم وتهيأ ، وأكمل السور وعمر الخنادق ، ونصب المنجانيق ، وأمر بتغوير ما حول القدس من المياه ، وأحضر السلطان أمراءه ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة : أبا الهيجاء ، المبسمين ( 2 ) ، والمشطوب ، والأسدية ، فاستشارهم فيما قد دهمه من هذا الامر الفظيع ، الموجع المؤلم ، فأفاضوا في ذلك ، وأشاروا كل برأيه ، وأشار العماد الكاتب بأن يتحالفوا على الموت عند الصخرة ، كما كان الصحابة يفعلون ، فأجابوا إلى ذلك . هذا كله والسلطان ساكت واجم مفكر ، فسكت القوم كأنما على رؤوسهم الطير ، ثم قال : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله : اعلموا أنكم جند الاسلام اليوم ومنعته ، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم في ذممكم معلقة ، والله عز وجل سائلكم يوم القيامة عنهم ، وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد والبلاد غيركم ، فإن وليتم والعياذ بالله طوى البلاد وأهلك العباد ، وأخذ الأموال والأطفال والنساء ، وعبد الصليب في المساجد ، وعزل القرآن منها والصلاة ، وكان ذلك كله في ذممكم ، فإنكم أنتم الذين تصديتهم لهذا كله ، وأكلتم بيت مال المسلمين لتدفعوا عنهم عدوهم ، وتنصروا ضعيفهم ، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام . فانتدب لجوابه سيف الدين المشطوب وقال : يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك ، وأنت الذي أعطيتنا وكبرتنا وعظمتنا ، وليس لنا إلا رقابنا ونحن بين يديك ، والله ما يرجع أحد منا عن نصرك حتى يموت . فقال الجماعة مثل ما قال ، ففرح السلطان بذلك وطاب قلبه ، ومد لهم سماطا حافلا ، وانصرفوا من بين يديه على ذلك . ثم بلغه بعد ذلك أن بعض الامراء قال : إنا نخاف أن يجري علينا في هذا البلد مثل ما جرى على أهل عكا ، ثم يأخذون بلاد الاسلام بلدا بلدا ، والمصلحة أن نلتقيهم بظاهر البلد ، فإن هزمناهم أخذنا بقية بلادهم ، وإن تكن الأخرى سلم العسكر ومضى بحاله ، ويأخذون القدس ونحفظ بقيه بلاد الاسلام بدون القدس مدة طويلة ، وبعثوا إلى السلطان يقولون
--> ( 1 ) قال رنسيمان في الحروب الصليبية أن ذلك وقع على القافلة - القادمة من الجنوب تتخذ طريقها نحو بيت المقدس - عند آبار الخويلفة ، الواقعة في إقليم جدب على مسافة عشرين ميلا إلى الجنوب الغربي من حبرون . ( 2 ) في ابن خلدون 5 / 327 : السمين .