ابن كثير
418
البداية والنهاية
وتحققوا إما الغرق أو القتل ، خرقوا جوانبها كلها فغرقت ، ولم يقدر الفرنج على أخذ شئ منها لا من الميرة ولا من الأسلحة ، وحزن المسلمون على هذا المصاب حزنا عظيما ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولكن جبر الله سبحانه هذا البلاء بأن أحرق المسلمون في هذا اليوم دبابة كانت أربع طبقات ، الأولى من الخشب ، والثانية من رصاص ، والثالثة من حديد ، والرابعة من نحاس ، وهي مشرفة على السور والمقاتلة فيها ، وقد قلق أهل البلد منها بحيث حدثتهم أنفسهم من خوفهم من شرها بأن يطلبوا الأمان من الفرنج ، ويسلموا البلد ، ففرج الله عن المسلمين وأمكنهم من حريقها ، واتفق لهم ذلك في هذا اليوم الذي غرقت فيه البطشة المذكورة ، فأرسل أهل البلد يشكون إلى السلطان شدة الحصار وقوته عليهم ، منذ قام ملك الانكليز لعنه الله ، ومع هذا قد مرض هو وجرح ملك الافرنسيين أيضا ولا يزيدهم ذلك إلا شدة وغلظة ، وعتوا وبغيا ، وفارقهم المركيس وسار إلى بلده صور خوفا منهم أن يخرجوا ملكها من يده . وبعث ملك الانكليز إلى السلطان صلاح الدين يذكر له أن عنده جوارح قد جاء بها من البحر ، وهو على نية إرسالها إليه ، ولكنها قد ضعفت وهو يطلب دجاجا وطيرا لتقوى به ، فعرف أنه إنما يطلب ذلك لنفسه يلطفها به ، فأرسل إليه شيئا كثيرا من ذلك كرما ، ثم أرسل يطلب منه فاكهة وثلجا فأرسل إليه أيضا ، فلم يفد معه الاحسان ، بل لما عوفي عاد إلى شر مما كان ، واشتد الحصار ليلا ونهارا ، فأرسل أهل البلد يقولون للسلطان إما أن تعملوا معنا شيئا غدا وإلا طلبنا من الفرنج الصلح والأمان ، فشق ذلك على السلطان ، وذلك لأنه كان قد بعث إليها أسلحة الشام والديار المصرية وسائر السواحل ، وما كان غنمه من وقعة حطين ومن القدس ، فهي مشحونة بذلك ، فعند ذلك عزم السلطان على الهجوم على العدو ، فما أصبح ركب في جيشه فرأى الفرنج قد ركبوا من وراء خندقهم ، والرجالة منهم قد ضربوا سورا حول الفرسان ، وهم قطعة من حديد صماء لا ينفذ فيهم شئ ، فأحجم عنهم لما يعلم من نكول جيشه عما يريده ، وتحدوه عليه شجاعته رحمه الله . هذا وقد اشتد الحصار على البلد ودخلت الرجالة منهم إلى الخندق وعلقوا بدنة في السور وحشوها وأحرقوها ، فسقطت ودخلت الفرنج إلى البلد ، فمانعهم المسلمون وقاتلوهم أشد القتال ، وقتلوا من رؤوسهم ستة أنفس ، فاشتد حنق الفرنج على المسلمين جدا بسبب ذلك ، وجاء الليل فحال بين الفريقين ، فلما أصبح الصباح خرج أمير المسلمين بالبلد أحمد ( 1 ) بن المشطوب فاجتمع بملك الافرنسيين وطلب منهم الأمان على أنفسهم ، ويتسلمون منه البلد ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وقال له : بعد ما سقط السور جئت تطلب الأمان ؟ فأغلظ له ابن المشطوب في الكلام ، ورجع إلى البلد في حالة الله بها عليم ، فلما أخبر أهل البلد بما وقع خافوا خوفا شديدا ، وأرسلوا إلى السلطان
--> ( 1 ) في الكامل وابن خلدون وابن العبري وأبي الفداء : سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب .