ابن كثير

415

البداية والنهاية

راحة بالنسبة إلى ما أولئك ولكن أولئك الذين كانوا بالبلد وخرجوا منه كانت لهم خبرة بالبلد بالقتال وكان لهم صبر ، وجلد وقد تمونوا فيها مؤنة تكفيهم سنة ، فانمحقت بسبب ذلك ، وقدم بطش من مصر فيه ميرة تكفي أهل البلد سنة كاملة ، فقدر الله العظيم - وله الامر من قبل ومن بعد - أنها لما توسطت البحر واقتربت من المينا هاجت عليها ريح عظيمة فانقلبت تلك البطش وتغلبت على عظمها فاختبطت واضطربت وتصادمت فتكسرت وغرقت ، وغرق ما كان فيها من الميرة والبحارة ، فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين ، واشتد الامر جدا ، ومرض السلطان وازداد مرضا إلى مرضه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وكان ذلك عونا للعدو المخذول على أخذ البلد ، ولا قوة إلا بالله ، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة ، وكان المقدم على الداخلين إلى عكا الأمير سيف الدين علي بن أحمد بن المشطوب . وفي اليوم السابع من ذي الحجة سقطت ثلمة عظيمة من سور عكا ، فبادر الفرنج إليها فسبقهم المسلمون إلى سدها بصدورهم ، وقاتلوا دونها بنحورهم ، وما زالوا يمانعون عنها حتى بنوها أشد مما كانت ، وأقوى وأحسن . ووقع في هذه السنة وباء عظيم في المسلمين والكافرين ، فكان السلطان يقول في ذلك : اقتلوني ومالكا * واقتلوا مالكا معي ( 1 ) واتفق موت ابن ملك الألمان لعنه الله في ثاني ذي الحجة ، وجماعة من كبراء الكندهرية ( 2 ) ، وسادات الفرنج لعنهم الله ، فحزن الفرنج على ابن ملك الألمان وأوقدوا نارا عظيمة في كل خيمة ، وصار كل يوم يهلك من الفرنج المائة والمائتان ، واستأمن السلطان جماعة منهم من شدة ما هم فيه من الجوع والضيق والحصر ، وأسلم خلق كثير منهم . وفيها قدم القاضي الفاضل من مصر على السلطان ، وكان قد طال شوق كل منهما إلى صاحبه ، فأفضى كل منهما إلى صاحبه ما كان يسره ويكتمه من الآراء التي فيها مصالح المسلمين . وفيها توفي من الأعيان . . .

--> ( 1 ) هذا ما أنشده عبد الله بن الزبير ، يوم تواقع هو ومالك بن الحارث المعروف بالأشتر في يوم من أيام الجمل . وكان مالكا من أصحاب علي ، فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله تحته وركب صدره ، وفعلا ذلك مرارا . . . وابن الزبير ينشد : اقتلاني ومالكا * واقتلا مالكا معي والقصة تقدمت ، وهي مبسوطة في التواريخ . ( 2 ) ذكر رنسيمان في تاريخ الحروب الصليبية 3 / 68 : ومن السادة الذين هلكوا بسبب المرض الناشب في المعسكر ، ثيبالد كونت بلوا ( وقد أشار إليه ابن شداد ص 236 ) وشقيقه ستيفن كونت سانكير . ومات فردريك دوق سوابيا ( ابن ملك الألمان ) وأضحى الجند الألمان محرومين من قائدهم .