ابن كثير

38

البداية والنهاية

وهذا شئ لم يتفق لغيره ، وكان في جيشه أربعمائة فيل تقاتل ، وهذا شئ عظيم هائل ، وجرت له فصول يطول تفصيلها ، وكان مع هذا في غاية الديانة والصيانة وكراهة المعاصي وأهلها ، لا يحب منها شيئا ، ولا يألفه ، ولا أن يسمع بها ، ولا يجسر أحد أن يظهر معصية ولا خمرا في مملكته ، ولا غير ذلك ، ولا يحب الملاهي ولا أهلها ، وكان يحب العلماء والمحدثين ويكرمهم ويجالسهم ، ويحب أهل الخير والدين والصلاح ، ويحسن إليهم ، وكان حنفيا ثم صار شافعيا على يدي أبي بكر القفال الصغير على ما ذكره إمام الحرمين وغيره ، وكان على مذهب الكرامية في الاعتقاد ، وكان من جملة من يجالسه منهم محمد بن الهيضم ، وقد جرى بينه وبين أبي بكر بن فورك مناظرات بين يدي السلطان محمود في مسألة العرش ، ذكرها ابن الهيضم في مصنف له ، فمال السلطان محمود إلى قول ابن الهيضم ، ونقم على ابن فورك كلامه ، وأمر بطرده وإخراجه ، لموافقته لرأي الجهمية ، وكان عادلا جيدا ، اشتكى إليه رجل أن ابن أخت الملك يهجم عليه في داره وعلى أهله في كل وقت ، فيخرجه من البيت ويختلي بامرأته ، وقد حار في أمره ، وكلما اشتكاه لاحد من أولي الامر لا يجسر أحد عليه خوفا وهيبة للملك . فلما سمع الملك ذلك غضب غضبا شديدا وقال للرجل ، ويحك متى جاءك فائتني فأعلمني ، ولا تسمعن من أحد منعك من الوصول إلى ، ولو جاءك في الليل فائتني فأعلمني ، ثم إن الملك تقدم إلى الحجبة وقال لهم : إن هذا الرجل متى جاءني لا يمنعه أحد من الوصول إلى من ليل أو نهار ، فذهب الرجل مسرورا داعيا ، فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى هجم عليه ذلك الشاب فأخرجه من البيت واختلى بأهله ، فذهب باكيا إلى دار الملك فقيل له إن الملك نائم ، فقال : قد تقدم إليكم أن لا أمنع منه ليلا ولا نهارا ، فنبهوا الملك فخرج معه بنفسه وليس معه أحد ، حتى جاء إلى منزل الرجل فنظر إلى الغلام وهو مع المرأة في فراش واحد ، وعندهما شمعة تقد ، فتقدم الملك فأطفأ الضوء ثم جاء فاحتز رأس الغلام وقال للرجل : ويحك الحقني بشربة ماء ، فأتاه بها فشرب ثم انطلق الملك ليذهب فقال له الرجل : بالله لم أطفأت الشمعة ؟ قال : ويحك إنه ابن أختي ، وإني كرهت أن أشاهده حالة الذبح ، فقال : ولم طلبت الماء سريعا ؟ فقال الملك : إني آليت على نفسي منذ أخبرتني أن لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أنصرك ، وأقوم بحقك ، فكنت عطشانا هذه الأيام كلها ، حتى كان ما كان مما رأيت . فدعا له الرجل وانصرف الملك راجعا إلى منزله ، ولم يشعر بذلك أحد . وكان مرض الملك محمود هذا بسوء المزاج ، اعتراه مع انطلاق البطن سنتين ، فكان فيهما لا يضطجع على فراش ، ولا يتكئ على شئ ، لقوة بأسه وسوء مزاجه ، وكان يستند على مخاد توضع له ويحضر مجلس الملك ، ويفصل على عادته بين الناس ، حتى مات كذلك في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة عن ثلاث وستين سنة ( 1 ) ، ملكه منها ثلاث وثلاثون سنة ، وخلف من الأموال

--> ( 1 ) في ابن الأثير 9 / 398 كان مولده سنة 360 ه‍ وفي وفيات الأعيان 5 / 181 : سنة 361 ه‍ . يعني أنه لم يتجاوز الستين من عمره .