الشيخ عبد الله الصالحي النجف آبادي
136
موسوعة مكاتيب الأئمة
ولمّا التمسنا تحقيق ما قاله الصادق ( عليه السلام ) من المنزلة بين المنزلتين ، وإنكاره الجبر والتفويض ، وجدنا الكتاب قد شهد له ، وصدّق مقالته في هذا . وخبر عنه أيضاً موافق لهذا : أنّ الصادق ( عليه السلام ) سئل هل أجبر اللّه العباد على المعاصي ؟ فقال الصادق ( عليه السلام ) : هو أعدل من ذلك ، فقيل له : فهل فوّض إليهم ؟ فقال ( عليه السلام ) : هو أعزّ وأقهر لهم من ذلك . وروي عنه ( عليه السلام ) أنّه قال : الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليه فقد وهّن اللّه في سلطانه فهو هالك . ورجل يزعم أنّ اللّه جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي وكلّفهم ما لا يطيقون فقد ظلم اللّه في حكمه فهو هالك . ورجل يزعم أنّ اللّه كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون ، فإذا أحسن حمد اللّه وإذا أساء استغفر اللّه فهذا مسلم بالغ ، فأخبر ( عليه السلام ) : أنّ من تقلّد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحقّ . فقد شرحت الجبر الذي من دان به يلزمه الخطأ ، وأنّ الذي يتقلّد التفويض يلزمه الباطل ، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما . ثمّ قال ( عليه السلام ) : وأضرب لكلّ باب من هذه الأبواب مثلاً يقرّب المعنى للطالب ، ويسهّل له البحث عن شرحه ، تشهد به محكمات آيات الكتاب ، وتحقّق تصديقه عند ذوي الألباب ، وباللّه التوفيق والعصمة . فأمّا الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ فهو قول من زعم أنّ اللّه جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها . ومن قال بهذا القول فقد ظلم اللّه في حكمه ، وكذّبه وردّ عليه قوله : ( وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) ( 1 ) ، وقوله : ( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّام لِّلْعَبِيدِ ) ( 2 ) ، وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ( 3 ) ، مع آي كثيرة في ذكر هذا ، فمن زعم أنّه مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على اللّه ، وقد ظلمه في
--> 1 - الكهف : 18 / 49 . 2 - الحجّ : 22 / 10 . 3 - يونس : 10 / 44 .