ابن كثير

17

البداية والنهاية

مات محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق ببغداد . وكانت علته قروحا في رأسه وحلقه فذبحته ، ولما أتي به ليصلى عليه اختلف أخوه عبيد الله وابنه طاهر وتنازعا الصلاة عليه حتى جذبت السيوف وترامى الناس بالحجارة ، وصاحت الغوغاء يا طاهر يا منصور : فمال عبيد الله إلى الشرقية ومعه القواد وأكابر الناس ، فدخل داره وصلى عليه ابنه وكان أبوه قد أوصى إليه . وحين بلغ المعتز ما وقع بعث بالخلع والولاية إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فأطلق عبيد الله للذي قدم بالخلع خمسين ألف درهم . وفيها نفى المعتز أخاه أبا أحمد من سر من رأى إلى واسط ، ثم إلى البصرة . ثم رد إلى بغداد أيضا . وفي يوم الاثنين منها سلخ ذي القعدة التقي موسى بن بغا الكبير والحسين بن أحمد الكوكبي الطالبي الذي خرج في سنة إحدى وخمسين عند قزوين فاقتتلا قتالا شديد ، ثم هزم الكوكبي وأخذ موسى قزوين وهرب الكوكبي إلى الديلم . وذكر أبن جرير عن بعض من حضر هذه الوقعة أن الكوكبي حين التقى أمر أصحابه أن يتترسوا بالحجف - وكانت السهم لا تعمل فيهم - فأمر موسى بن بغا أصحابه عند ذلك أين يطرحوا ما معهم من النفط ثم حاولوهم وأروهم أنهم قد انهزموا منهم ، فتبعهم أصحاب الكوكبي ، فلما توسطوا الأرض التي فيها النفط أمر عند ذلك بإلقاء النار فيه فجعل النفط يحرق أصحاب الكوكبي ففروا سراعا هاربين ، وكر عليهم موسى وأصحابه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب الكوكبي إلى الديلم ، وتسلم موسى قزوين . وفيها حج بالناس عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبي . وفيها توفي من الأعيان أبو الأشعث ( 1 ) . وأحمد بن سعيد الدارمي ( 2 ) . وسري السقطي أحد كبار مشايخ الصوفية . تلميذ معروف الكرخي . حدث عن هشيم وأبي بكر بن عياش وعلي بن عراب ويحيى بن يمان ويزيد بن هارون وغيرهم . وعنه ابن أخته الجنيد بن محمد . وأبو الحسن النوري ومحمد بن الفضل بن جابر السقطي وجماعة . وكانت له دكان يتجر فيها فمرت به جارية قد انكسر إناء كان معها تشتري فيه شيئا لسادتها ، فجعلت تبكي فأعطاها سري شيئا تشتري بدله ، فنظر معروف إليه وما صنع بتلك الجارية فقال له : بغض الله إليك الدنيا فوجد الزهد من يومه . وقال سري : مررت في يوم عيد فإذا معروف ومعه صغير شعث الحال فقلت : ما هذا ؟ فقال : هذا كان واقفا عند صبيان يلعبون بالجوز وهو مفكر ، فقلت له : ما لك لا تلعب كما يلعبون ؟ فقال : أنا يتيم ولا شئ معي أشتري به جوزا ألعب به . فأخذته لأجمع له نوى يشتري به جوزا يفرح به . فقلت ألا أكسوه وأعطيه شيئا يشتري به جوزا ؟ فقال أو تفعل ؟ فقلت : نعم فقال خذه أغنى الله قلبك . قال سري : .

--> ( 1 ) أبو الأشعث : واسمه أحمد بن المقدام البصري العجلي المحدث . قال في المغني : ثقة ثبت وقال النسائي : ليس به بأس . سمع حماد بن زيد وطائفة ( 2 ) أبو جعفر السرخسي ، الحافظ أحد الفقهاء والأئمة سمع النظر بن شميل وطبقته وكان ثقة