ابن كثير

11

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين فيها اجتمع رأي المستعين وبغا الصغير ووصيف على قتل باغر التركي ، وكان من قواد الأمراء الكبار الذين باشروا قتل المتوكل ، وقد اتسع إقطاعه وكثر عماله ، فقتل ونهبت دار كتابه دليل بن يعقوب النصراني ، ونهبت أمواله وحواصله ، وركب الخليفة في حراقة من سامرا إلى بغداد فاضطربت الأمور بسبب خروجه ، وذلك في المحرم . فنزل دار محمد بن عبد الله بن طاهر . وفيها وقعت فتنة شنعاء بين جند بغداد وجند سامرا ، ودعا أهل سامرا إلى بيعة المعتز ، واستقر أمر أهل بغداد على المستعين ، وأخرج المعتز وأخوه المؤيد من السجن فبايع أهل سامرا المعتز واستحوذ على حواصل بيت المال بها فإذا بها خمسمائة ألف دينار ، وفي خزانة أم المستعين ألف ألف دينار ، وفي حواصل العباس بن المستعين ستمائة ألف دينار ، واستفحل أمر المعتز بسامرا . وأمر المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر أن يحصن بغداد ويعمل في السورين والخندق ، وغرم على ذلك ثلاثمائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار ، ووكل بكل باب أميرا يحفظه ، ونصب على السور خمسة مناجيق ( 1 ) ، منها واحد كبير جدا ، يقال له الغضبان ، وست عرادات وأعدوا آلات الحرب والحصار والعدد ، وقطعت القناطر من كل ناحية لئلا يصل الجيش إليهم . وكتب المعتز إلى محمد بن علي بن طاهر يدعوه إلى الدخول معه في أمره ، ويذكره ما كان أخذه عليهم أبوه المتوكل من العهود والمواثيق ، من أنه ولي العهد بعده ( 2 ) ، فلم يلتفت إليه بل رد عليه واحتج بحجج يطول ذكرها . وكتب كل واحد من المستعين والمعتز إلى موسى بن بغا الكبير وهو مقيم بأطراف الشام لحرب أهل . حمص يدعوه إلى نفسه وبعث إليه بألوية يعقدها لمن اختار من أصحابه ، وكتب إليه المستعين يأمره بالمسير إليه إلى بغداد ويأمره أن يستنيب في عمله ، فركب مسرعا فسار إلى سامرا فكان مع المعتز على المستعين . وكذلك هرب عبد الله بن بغا الصغير من عند أبيه من بغداد إلى المعتز ، وكذلك غيره من الأمراء والأتراك . وعقد المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكل على حرب المستعين وجهز معه جيشا لذلك ، فسار في خمسة آلاف من الأتراك وغيرهم نحو بغداد ، وصلى بعكبرا يوم الجمعة ، ودعا لأخيه المعتز . ثم وصل إلى بغداد ليلة الأحد لسبع لخون من صفر فاجتمعت العساكر هنالك ، وقد قال رجل يقال له باذنجانة كان في عسكر أبي أحمد : يا بني طاهر جنود الله * والموت بينها منثور ( 3 ) وجيوش أمامهن ( 4 ) أبو أحمد * نعم المولى ونعم النصير .

--> ( 1 ) في الطبري : مجانيق ، وفي ابن الأثير : منجنيقات . ( 2 ) تقدم أن المتوكل أخذ البيعة لأولاده : المنتصر وبعده المعتز ثم المؤيد ( انظر الطبري - ابن الأثير ومروج الذهب ) . ( 3 ) البيت في ابن الأثير 7 / 145 والطبري 11 / 103 : يا بني طاهر أتتكم . في ابن الأثير : مشهور . ( 4 ) في ابن الأثير : إمامهم