ابن كثير
95
البداية والنهاية
الرجل إن هرب فليس له ملجأ إلا مكة ، فحولوا بينه وبينها . ثم أرسل عيسى إلى محمد يدعوه إلى السمع والطاعة لأمير المؤمنين المنصور ، وأنه قد أعطاه الأمان له ولأهل بيته إن هو أجابه . فقال محمد للرسول : لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك . ثم بعث إلى عيسى بن موسى يقول له : إني أدعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله ، فاحذر أن تمتنع فأقتلك فتكون شر قتيل ، أو تقتلني فتكون قتلت من دعاك إلى الله ورسوله . ثم جعلت الرسل تتردد بينهما ثلاثة أيام . هذا يدعو هذا ، وهذا يدعو هذا . وجعل عيسى بن موسى يقف في كل يوم من هذه الأيام الثلاثة على الثنية عند سلع فينادي : يا أهل المدينة إن دماءكم علينا حرام فمن جاءنا فوقف تحت رايتنا فهو آمن ، ومن خرج من المدينة فهو آمن ، ومن دخل داره فهو آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، فليس لنا في قتالكم أرب ، وإنما نريد محمدا وحده لنذهب به إلى الخليفة . فجعلوا يسبونه وينالون من أمه ، ويكلمونه بكلام شنيع ، ويخاطبونه مخاطبة فظيعة ، وقالوا له : هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا ونحن معه ، نقاتل دونه . فلما كان اليوم الثالث أتاهم في خيل ورجال وسلاح ورماح لم ير مثلها ، فناداه يا محمد ! إن أمير المؤمنين أمرني أن لا أقاتلك حتى أدعوك إلى الطاعة ، فإن فعلت أمنك وقضى دينك وأعطاك أموالا وأراضي ، وإن أبيت قاتلتك فقد دعوتك غير مرة . فناداه محمد : إن ليس لكم عندي إلا القتال . فنشبت الحرب حينئذ بينهم ، وكان جيش عيسى بن موسى فوق أربعة آلاف ، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة ، وعلى ميمنته محمد بن السفاح ، وعلى ميسرته داود بن كرار ، وعلى الساقة الهيثم بن شعبة ، ومعهم عدد لم ير مثلها . وفرق عيسى أصحابه في كل قطر طائفة . وكان محمد وأصحابه على عدة أصحاب أهل بدر ، واقتتل الفريقان قتالا شديدا جدا ، وترجل محمد إلى الأرض فيقال إنه قتل بيده من جيش عيسى بن موسى سبعين رجلا من أبطالهم ، وأحاط بهم أهل العراق فقتلوا طائفة من أصحاب محمد بن عبد الله بن حسن ، فاقتحموا عليهم الخندق الذي كانوا حفروه وعملوا أبوابا على قدره ، وقيل إنهم ردموه بحدائج الجمال حتى أمكنهم أن يجوزوه ، وقد يكونون فعلوا هذا موضع منه ، وهذا في موضع آخر والله أعلم . ولم تزل الحرب ناشبة بينهم حتى صليت العصر . فلما صلى محمد العصر نزلوا إلى مسيل الوادي بسلع فكسر جفن سيفه وعقر فرسه وفعل أصحابه مثله وصبروا أنفسهم للقتال وحميت الحرب حينئذ جدا ، فاستظهر أهل العراق ، ورفعوا راية سوداء فوق سلع ، ثم دنوا إلى المدينة فدخلوها ونصبوا راية سوداء فوق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا : أخذت المدينة ، وهربوا وبقي محمد في شرذمة قليلة جدا ثم بقي وحده وليس معه أحد ، وفي يده سيف صلت يضرب به من تقدم إليه ، فكان لا يقوم له شئ إلا أنامه ، حتى قتل خلقا من أهل العراق من الشجعان ، ويقال إنه كان في يده يومئذ ذو الفقار ثم تكاثر عليه الناس فتقدم إليه رجل فضربه بسيفه تحت شحمة أذنه اليمنى فسقط لركبتيه وجعل يحمي