ابن كثير

86

البداية والنهاية

كلكم يمشي رويد * كلكم يطلب صيد * غير عمرو بن عبيد ولو تبصر المنصور لعلم أن كل واحد من أولئك القراء خير من ملء الأرض مثل عمرو بن عبيد ، والزهد لا يدل على صلاح ، فإن بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد ما لا يطيقه عمرو ولا كثير من المسلمين في زمانه . وقد روينا عن إسماعيل بن خالد القعنبي قال : رأيت الحسن بن جعفر في المنام بعد ما مات بعبادان فقال لي : أيوب ويونس وابن عون في الجنة . قلت : فعمرو بن عبيد ؟ قال : في النار . ثم رآه مرة ثانية ويروى ثالثة ، فيسأله فيقول له مثل ذلك . وقد رؤيت له منامات قبيحة ، وقد أطال شيخنا في تهذيبه في ترجمته ولخصنا حاصلها في كتابنا التكميل ، وأشرنا ههنا إلى نبذ من حاله ليعرف فلا يغتر به والله أعلم . ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة فيها ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم ، لأنهم قتلوا من المسلمين خلقا ، وأمر أهل الكوفة والبصرة من كان منهم يقدر على عشرة آلاف فصاعدا فليذهب مع الجيش إلى الديلم ، فانتدب خلق كثير وجم غفير لذلك . وحج بالناس عيسى بن موسى نائب الكوفة وأعمالها . وفيها توفي حجاج الصواف ، وحميد بن رؤية الطويل ، وسليمان بن طرخان التيمي ، وقد ذكرناه في التي قبلها ، وعمرو بن عبيد في قول ، وليث بن أبي سليم على الصحيح . ويحيى بن سعيد الأنصاري . ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة فيها سار محمد بن أبي العباس السفاح عن أمر عمه المنصور إلى بلاد الديلم ومعه الجيوش من الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة . وفيها قدم محمد بن [ أبي ] جعفر المنصور المهدي على أبيه من بلاد خراسان ودخل بابنة عمه رايطة ( 1 ) بنت السفاح بالحيرة . وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور واستخلف على الحيرة والعسكر خازم بن خزيمة ، وولى رباح بن عثمان المزني ( 2 ) المدينة وعزل عنها محمد بن خالد القسري ، وتلقى الناس أبا جعفر المنصور إلى أثناء طريق مكة في حجه في سنة أربع وأربعين ومائة . وكان في جملة من تلقاه عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ، فأجلسه المنصور معه على السماط ، ثم جعل يحادثه بإقبال زائد بحيث أن المنصور اشتغل بذلك عن عامة غدائه ، وسأله عن أبنيه إبراهيم ومحمد لم لا جاءاني مع الناس ؟ فحلف عبد الله بن حسن أنه لا يدري أين صارا من أرض الله . وصدق في ذلك ، وما ذاك إلا أن محمد بن عبد الله بن حسن كان قد بايعه جماعة

--> ( 1 ) في ابن الأثير 5 / 513 والطبري 9 / 180 : ريطة . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير : المري .