ابن كثير

8

البداية والنهاية

قالت : " دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد ، فقال : من هذا يا أم سلمة ؟ قالت : هذا الوليد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذتم الوليد خنانا ( حسانا ) غيروا اسمه ، فإنه سيكون في هذه الأمة فرعون يقال له الوليد " . وروى ابن عساكر من حديث عبد الله بن محمد بن مسلم ، ثنا محمد بن غالب الأنطاكي ، ثنا محمد بن سليمان بن أبي داود ، ثنا صدقة ، عن هشام بن الغاز ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبة الخشني ، عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال هذا الامر قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية " ( 1 ) . مقتله وزوال دولته كان هذا الرجل مجاهرا بالفواحش مصرا عليها ، منتهكا محارم الله عز وجل ، لا يتحاشى من معصية . وربما اتهمه بعضهم بالزندقة والانحلال من الدين ، فالله أعلم ، لكن الذي يظهر أنه كان عاصيا شاعرا ماجنا متعاطيا للمعاصي ، لا يتحاشاها من أحد ، ولا يستحي من أحد ، قبل أن يلي الخلافة وبعد أن ولي ، وقد روي أن أخاه سليمان كان من جملة من سعى في قتله ، قال : أشهد أنه كان شروبا للخمر ما جنا فاسقا ، ولقد أرادني على نفسي الفاسق . وحكى المعافى بن زكريا عن ابن دريد ، عن أبي حاتم ، عن العتبي : أن الوليد بن يزيد نظر إلى نصرانية من حسان نساء النصارى اسمها سفري فأحبها ، فبعث يراودها عن نفسها فأبت عليه ، فألح عليها وعشقها فلم تطاوعه ، فاتفق اجتماع النصارى في بعض كنائسهم لعيد لهم ، فذهب الوليد إلى بستان هناك فتنكر وأظهر أنه مصاب ، فخرج النساء من الكنيسة إلى ذلك البستان ، فرأينه فأحدقن به ، فجعل يكلم سفري ويحادثها وتضاحكه ولا تعرفه ، حتى اشتفى من النظر إليها ، فلما انصرفت قيل لها : ويحك أتدرين من هذا الرجل ؟ فقالت : لا ! فقيل لها هو الوليد . فلما تحققت ذلك حنت عليه بعد ذلك وكانت عليه أحرص منه عليها قبل أن تحن عليه . فقال الوليد في ذلك أبياتا : أضحك ( 2 ) فؤادك يا وليد عميدا * صبا قديما للحسان صيودا في حب واضحة العوارض طفلة * برزت لنا نحو الكنيسة عيدا ما زلت أرمقها بعيني وامق * حتى بصرت بها تقبل عودا عود الصليب فويح نفسي من رأى * منكم صليبا مثله معبودا فسألت ربي أن أكون مكانه * وأكون في لهب الجحيم وقودا وقال فيها أيضا لما ظهر أمره وعلم بحاله الناس ، وقيل إن هذا وقع قبل أن يلي الخلافة : ألا حبذا سفري وإن قيل إنني * كلفت بنصرانية تشرب الخمرا

--> ( 1 ) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 467 . ( 2 ) في حاشية أمالي المرتضى 1 / 131 : أضحى .