ابن كثير
6
البداية والنهاية
سيره ، فلما أن كان ببعض الطريق جاءته البرد فأخبروه بأن الخليفة الوليد قد قتل وهاجت الفتنة العظيمة في الناس بالشام ، فعدل بما معه إلى بعض المدن فأقام بها ، وبلغه أن يوسف بن عمر قد هرب من العراق واضطربت الأمور ، وذلك بسبب قتل الخليفة على ما سنذكره ، وبالله المستعان . وفي هذه السنة ولى الوليد يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي ولاية المدينة ومكة والطائف وأمره أن يقيم إبراهيم ومحمدا ابني هشام بن إسماعيل المخزومي بالمدينة مهانين لكونهما خالي هشام ، ثم يبعث بهما إلى يوسف بن عمر نائب العراق فبعثهما إليه . فما زال يعذبهما حتى ماتا وأخذ منهما أموالا كثيرة . وفي هذه السنة ولى يوسف بن محمد يحيى بن سعيد الأنصاري قضاء المدينة ، وفيها بعث الوليد بن يزيد إلى أهل قبرص جيشا مع أخيه وقال : خيرهم فمن شاء أن يتحول إلى الشام ، ومن شاء أن يتحول إلى الروم ، فكان منهم من اختار جوار المسلمين بالشام ، ومنهم من انتقل إلى بلاد الروم . قال ابن جرير : وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب [ مكة ] ( 1 ) فلقوا - في قول بعض أهل السير - محمد بن علي فأخبروه بقصة أبي مسلم فقال : أحر هو أم لا ؟ فقالوا : أما هو فيزعم أنه حر ، وأما مولاه فيزعم أنه عبده ، فاشتروه فأعتقوه ، ودفعوا إلى محمد بن علي مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألفا ، وقال لهم : لعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا ، فإن مت فإن صاحبكم إبراهيم بن محمد - يعني ابنه - فإنه ابني ، فأوصيكم به . ومات محمد بن علي في مستهل ذي القعدة في هذه السنة بعد أبيه بسبع سنين . وفيها قتل يحيى بن زيد بن علي بخراسان . وحج بالناس فيها يوسف بن محمد الثقفي أمير مكة والمدينة والطائف . وأمير العراق يوسف بن عمر ، وأمير خراسان نصر بن سيار ، وهو في همة الوفود إلى الوليد بن يزيد أمير المؤمنين بما معه من الهدايا والتحف ، فقتل الوليد قبل أن يجتمع به . وممن توفي فيها من الأعيان : محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس أبو عبد الله المدني ، وهو أبو السفاح والمنصور ، روى عن أبيه وجده وسعيد بن جبير وجماعة ، وحدث عنه جماعة منهم ابناه الخليفتان ، أبو العباس عبد الله السفاح ، وأبو جعفر عبد الله المنصور ، وقد كان عبد الله بن محمد بن الحنفية أوصى إليه بالامر من بعده وكان عنده علم بالاخبار ، فبشره بأن الخلافة ستكون في ولدك ، فدعا إلى نفسه في سنة سبع وثمانين ، ولم يزل أمره يتزايد حتى توفي في هذه السنة ، وقيل في التي قبلها ، وقيل في التي بعدها ، عن ثلاث وستين سنة ، وكان من أحسن الناس شكلا ، فأوصى بالامر من بعده لولده إبراهيم ، فما أبرم الامر إلا لولده السفاح ، فاستلب من بني أمية الامر في سنة ثنتين وثلاثين كما سيأتي .
--> ( 1 ) من الطبري 8 / 299 وابن الأثير 5 / 274 سقطت من الأصل .