ابن كثير

58

البداية والنهاية

إن إسحاق بن مسلم العقيلي إنما طلب الأمان لما تحقق أن مروان قد قتل ، وذلك بعد مضي سبعة أشهر وهو محاصر ، وقد كان صاحبا لأبي جعفر المنصور فآمنه . وفي هذه السنة ذهب أبو جعفر المنصور عن أمر أخيه السفاح إلى أبي مسلم الخراساني وهو أميرها ، ليستطلع رأيه في قتل أبي سلمة ، لأنه كان يريد أن يصرف الخلافة عنهم ، فيسأله هل ذلك كان عن ممالاة أبي مسلم لأبي سلمة في ذلك أم لا ؟ فسكت القوم ، فقال السفاح : لئن كان هذا عن رأيه إنا لبعر ( 1 ) بلاء عظيم ، إلا أن يدفعه الله عنا . قال أبو جعفر : فقال لي أخي : ما ترى ؟ فقلت : الرأي رأيك . فقال : إنه ليس أحد أخص بأبي مسلم منك ، فاذهب إليه فاعلم لي علمه ، فإن كان عن رأيه احتلنا له ، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا . قال أبو جعفر : فخرجت إليه قاصدا على وجل . قال المنصور : فلما وصلت إلى الري إذا كتاب أبي مسلم إلى نائبها يستحثني إليه في المسير ، فازددت وجلا ، فلما انتهيت إلى نيسابور إذا كتابه يستحثني أيضا وقال لنائبها : لا تدعه يقر ساعة واحدة . فإن أرضك بها خوارج ، فانشرحت لذلك فلما صرت من مرو على فرسخين ، خرج يتلقاني ومعه الناس ، فلما واجهني ترجل فقبل يدي ، فأمرته فركب . فلما دخلت مرو نزلت في داره فمكث ثلاثا لا يسألني في أي شئ جئت ، فلما كان في اليوم الرابع سألني ما أقدمك ؟ فأخبرته بالامر . فقال : أفعلها أبو سلمة ؟ أنا أكفيكموه . فدعا مرار بن أنس الضبي فقال : اذهب إلى الكوفة فحيث لقيت أبا سلمة فاقتله ، وانته في ذلك إلى رأي الامام . فقدم مرار الكوفة الهاشمية ، وكان أبو سلمة يسمر عند السفاح ، فلما خرج قتله مرار وشاع أن الخوارج قتلوه ، وغلقت البلد . ثم صلى عليه يحيى بن محمد بن علي أخو أمير المؤمنين ، ودفن بالهاشمية ، وكان يقال له وزير آل محمد . ويقال لأبي مسلم أمير آل محمد . قال الشاعر ( 2 ) . إن الوزير وزير آل محمد * أودى فمن يشناك كان وزيرا ويقال إن أبا جعفر إنما سار إلى أبي مسلم بعد قتل أبي سلمة وكان معه ثلاثون رجلا على البريد ، منهم الحجاج بن أرطاة ، وإسحاق بن الفضل الهاشمي ، وجماعة من السادات . ولما رجع أبو جعفر من خراسان قال لأخيه : لست بخليفة ما دام أبو مسلم حيا حتى تقتله ، لما رأى من طاعة العساكر له ، فقال له السفاح : اكتمها فسكت . ثم إن السفاح بعث أخاه أبا جعفر إلى قتال ابن هبيرة بواسط ، فلما اجتاز بالحسن بن قحطبة أخذه معه ، فلما أحيط بابن هبيرة كتب إلى محمد بن عبد الله بن حسن ليبايع له بالخلافة فأبطأ عليه جوابه ، فمال إلى مصالحة أبي جعفر ، فاستأذن أبو جعفر أخاه السفاح في ذلك فأذن

--> ( 1 ) في الطبري 9 / 140 : ليعرض ، وفي ابن الأثير 5 / 437 : لنعرفن . ( 2 ) وهو سليمان بن المهاجر البجلي ، وقبله في مروج الذهب : إن المساءة قد تسر وربما * كان السرور بما كرهت جديرا