ابن كثير
39
البداية والنهاية
عنكم فوضعه ، فزاد غنيكم غنى وزاد فقيركم فقرا ، فكتبتم إليه جزاك الله خيرا ، فلا جزاه الله خيرا . في كلام طويل . فأقام عندهم ثلاثة أشهر بقية صفر وشهري ربيع وبعض جمادى الأول فيما قال الواقدي وغيره . وقد روى المدائني أن أبا حمزة رقي يوما منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من بلادنا بطرا ولا أشرا ، ولا لدولة نريد أن نخوض فيها النار ، وإنما أخرجنا من ديارنا أنا رأينا مصابيح الحق طمست ، وضعف القائل بالحق ، وقتل القائم بالقسط ، فلما رأينا ذلك ضاقت علينا الأرض بما رحبت ، وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن ، وحكم القرآن ، فأجبنا داعي الله ( ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ) [ الأحقاف : 32 ] أقبلنا من قبائل شتى ، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم ، يتعاورون لحافا واحدا قليلون مستضعفون في الأرض ، فآوانا الله وأيدنا بنصره ، فأصبحنا والله بنعمة الله إخوانا ، ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن ، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم بني مروان ، فشتان لعمر الله بين الغي والرشد ، ثم أقبلوا نحونا يهرعون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه وغلت بدمائهم مراجله ، وصدق عليه ظنه فاتبعوه ، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب ، بكل مهند ذي رونق ، فدارت رحانا واستدارت رحاهم ، بضرب يرتاب منه المبطلون ، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ( ويشف صدور قوم مؤمنين ) [ التوبة : 14 ] يا أهل المدينة أولكم خير أول ، وآخركم شر آخر ، يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم ، إلا مشركا عابد وثن أو كافرا أهل كتاب ، أو إماما جائرا . يا أهل المدينة من زعم أن الله يكلف نفسا فوق طاقتها ، أو يسألها ما لم يؤتها ، فهو لله عدو ، وأنا له حرب . يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوي والضعيف ، فجاء تاسع ليس له منها ولا سهم واحد ، فأخذها لنفسه ، مكابرا محاربا لربه ، يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم شباب أحداث ، وأعراب جفاة أجلاف ، ويحكم فهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا أحداثا ، شبابا والله مكتهلون في شبابهم ، غضة عن الشر أعينهم ، ثقيلة عن السعي في الباطل أقدامهم ، قد باعوا لله أنفسا تموت بأنفس لا تموت ، قد خالطوا كلالهم بكلالهم ، وقيام ليلهم بصيام نهارهم ، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن ، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار ، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة . فلما نظروا إلى السيوف قد انتضيت ، وإلى الرماح قد شرعت ، وإلى السهام قد فوقت ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت ، استخفوا والله وعيد الكتيبة لوعيد الله في القرآن ، ولم يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة ، فطوبى لهم وحسن مآب ، فكم من عين في مناقير الطير طال ما فاضت في جوف الليل من خشية الله ، وطال ما بكت خالية من خوف الله ، وكم من يد زالت عن مفصلها طال ما ضربت في سبيل الله وجاهدت أعداء الله . وطال ما اعتمد بها صاحبها في طاعة الله . أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيري ، وما توفيقي إلا بالله . ثم روى المدائني عن العباس عن هارون عن جده قال : كان أبو حمزة الخارجي قد أحسن السيرة في أهل المدينة فمالوا إليه حتى سمعوه [ يقول ] : برح الخفا أين عن بابك نذهب [ ثم قال ] : من زنا فهو