ابن كثير
365
البداية والنهاية
حلاوة الايمان ( 1 ) : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " ( 2 ) أخرجاه في الصحيحين . وقال أبو القاسم البغوي . حدثنا أحمد بن حنبل ، ثنا أبو المغيرة ، ثنا صفوان بن عمرو السكسكي ، ثنا عمرو بن قيس السكوني ، ثنا عاصم بن حميد قال : سمعت معاذ بن جبل يقول : " إنكم لم تروا إلا بلاء وفتنة ، ولن يزداد الامر إلا شدة ، ولا الأنفس إلا شحا " . وبه قال معاذ : " لن تروا من الأئمة إلا غلظة ولن تروا أمرا يهولكم ويشتد عليكم إلا حضر بعده ما هو أشد منه " . قال البغوي : سمعت أحمد يقول : اللهم رضنا . وروى البيهقي : عن الربيع قال : بعثني الشافعي بكتاب من مصر إلى أحمد بن حنبل ، فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب فقال : أقرأته ؟ فقلت : لا ! فأخذه فقرأه فدمعت عيناه ، فقلت : يا أبا عبد الله وما فيه ؟ فقال : يذكر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال : اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأقرأ عليه مني السلام وقل له : إنك ستمتحن وتدعى إلى القول بخلق القرآن فلا تجبهم ، يرفع الله لك علما إلى يوم القيامة . قال الربيع : فقلت حلاوة البشارة ، فخلع قميصه الذي يلي جلده فأعطانيه ، فلما رجعت إلى الشافعي أخبرته قال : إني لست أفجعك فيه ، ولكن بله بالماء وأعطينيه حتى أتبرك به . ملخص الفتنة والمحنة من كلام أئمة السنة قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل ، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله عز وجل . قال البيهقي : ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم ، فلما ولي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك وزينوا له ، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن ، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين . فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا ، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين : واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح الجنديسابوري ، فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك ، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد فلما كانا ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الاعراب من عبادهم يقال له جابر بن عامر ، فسلم على الإمام أحمد
--> ( 1 ) حلاوة الايمان : معناه استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضى الله عز وجل ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وإيثار ذلك على عرض الدنيا . ومحبة العبد ربه سبحانه بفعل طاعته وترك مخالفته . وكذلك محبة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه - بألفاظ مختلفة - في كتاب الايمان ( 15 ) باب . ح ( 67 ) ص 1 / 66 والبخاري في الايمان ( 9 ) باب ح 16 فتح الباري 1 / 60 .