ابن كثير
357
البداية والنهاية
عن ثمانين سنة رحمه الله وإيانا . ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين في جمادى الأولى أو الآخرة من هذه السنة وثب أهل حمص أيضا على عاملهم محمد بن عبدويه فأرادوا قتله ، وساعدهم نصارى أهلها أيضا عليه ، فكتب إلى الخليفة يعلمه بذلك ، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم ، وكتب إلى متولي دمشق أن يمده بجيش من عنده ليساعده على أهل حمص ، وكتب إليه أن يضرب ثلاثة منهم معروفين بالشر بالسياط حتى يموتوا ، ثم يصلبهم على أبواب البلد ، وأن يضرب عشرين آخرين منهم كل واحد ثلاثمائة ، وأن يرسلهم إلى سامرا مقيدين في الحديد ، وأن يخرج كل نصراني بها ويهدم كنيستها العظمى التي إلى جانب المسجد الجامع ، وأن يضيفها إليه ، وأمر له بخمسين ألف درهم ، وللأمراء الذين ساعدوه بصلات سنية . فامتثل ما أمره به الخليفة فيهم . وفيها أمر الخليفة المتوكل على الله بضرب رجل من أعيان أهل بغداد يقال له عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم ، فضرب ضربا شديدا مبرحا ، يقال إنه ضرب ألف سوط حتى مات . وذلك أنه شهد عليه سبعة عشر رجلا عند قاضي الشرقية أبي حسان الزيادي أنه يشتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة رضي الله عنهم . فرفع أمره إلى الخليفة فجاء كتاب الخليفة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين نائب بغداد يأمره أن يضربه بين الناس حد السب ( 1 ) ، ثم يضرب بالسياط حتى يموت ويلقى في دجلة ولا يصلى عليه ، ليرتدع بذلك أهل الالحاد والمعاندة . ففعل معه ذلك قبحه الله ولعنه . ومثل هذا يكفر إن كان قد قذف عائشة بالاجماع ، وفيمن قذف سواها من أمهات المؤمنين قولان ، والصحيح أنه يكفر أيضا ، لأنهن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن . قال ابن جرير : وفي هذه السنة انقضت الكواكب ببغداد وتناثرت ، وذلك ليلة الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة . قال : وفيها مطر الناس في آب مطرا شديدا جدا . قال : وفيها مات من الدواب شئ كثير ولا سيما البقر . قال : وفيها أغارت الروم على عين زربة فأسروا من بها من الزط وأخذوا نساءهم وذراريهم ودوابهم . قال : وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم في بلاد طرسوس بحضرة قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد ، عن إذن الخليفة له في ذلك ، واستنابته ابن أبي الشوارب . وكانت عدة الاسرى من المسلمين سبعمائة وخمسة وثمانين رجلا ، ومن النساء مائة وخمسا وعشرين امرأة ، وقد كانت أم الملك تدورة لعنها الله عرضت النصرانية على من كان في يدها من الأسارى ، وكانوا نحوا من عشرين ألفا فمن أجابها إلى النصرانية وإلا قتلته ، فقتلت اثني عشر ألفا وتنصر بعضهم ، وبقي منهم هؤلاء الذين فودوا وهم قريب من التسعمائة رجالا ونساء .
--> ( 1 ) في الطبري 11 / 51 : حد الشتم .