ابن كثير

335

البداية والنهاية

فجمع جماعة من رؤوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى ، وذلك في آخر شعبان ، فأحضر له جماعة من الأعيان وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي ، وأحضر أحمد بن نصر ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب ، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شئ مما كان منه في مبايعته العوام على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره ، بل أعرض عن ذلك كله وقال له : ما تقول في القرآن ؟ فقال : هو كلام الله . قال : أمخلوق هو ؟ قال هو كلام الله . وكان أحمد بن نصر قد استقل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما يسترها فقال له : فما تقول في ربك ، أتراه يوم القيامة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والاخبار بذلك ، قال الله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 22 - 23 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ) ( 1 ) . فنحن على الخبر . زاد الخطيب قال الواثق : ويحك ! أيرى كما يرى المحدود المتجسم ؟ ويحويه مكان ويحصره الناظر ؟ أنا أكفر برب هذه صفته . قلت : وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم . ثم قال أحمد بن نصر للواثق : وحدثني سفيان بحديث يرفعه ( إن قلب ابن آدم بأصبعين من أصابع لله يقلبه كيف شاء ) ( 2 ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ( 3 ) . فقال له إسحاق بن إبراهيم : ويحك ، انظر ما تقول . فقال : أنت أمرتني بذلك . فأشفق إسحاق من ذلك وقال : أنا أمرتك ؟ قال : نعم ، أنت أمرتني أن أنصح له . فقال الواثق لمن حوله : ما تقولون في هذا الرجل ؟ فأكثروا القول فيه . فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل وكان موادا لا حمد بن نصر قبل ذلك - يا أمير المؤمنين هو حلال الدم . وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب أحمد بن أبي دؤاد : اسقني دمه يا أمير المؤمنين . فقال الواثق : لا بد أن يأتي ما تريد . وقال ابن أبي دؤاد : هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل . فقال الواثق : إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي ، فإني أحتسب خطاي . ثم نهض إليه بالصمصامة - وقد كانت سيفا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صفيحة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير - فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع ، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط صريعا رحمه الله على النطع ميتا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . رحمه الله وعفا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد ( 24 ) والمواقيت باب 16 ، 26 وفي تفسير سورة ( ق ) آية ( 2 ) ومسلم في المساجد ح‍ ( 211 ) وأبو داود في السنة ( 19 ) والترمذي في الجنة ( 16 ) ( 17 ) وابن ماجة في المقدمة باب ( 13 ) . والإمام أحمد في المسند 4 / 360 ، 362 ، 365 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ( 89 ) . وأخرج نحوه الإمام أحمد في المسند 2 / 173 . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة ( 13 ) والبخاري في التوحيد باب ( 11 ) والترمذي في القدر ( 7 ) والدعوات ( 89 ) والإمام أحمد في المسند 4 / 182 ، 418 ، 6 / 91 ، 251 ، 294 ، 302 .