ابن كثير

315

البداية والنهاية

منيع وأبراج عالية كبار كثيرة . وقسم المعتصم الأبراج على الأمراء فنزل كل أمير تجاه الموضع الذي أقطعه وعينه له ، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشد إليه ، أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين ، وكان قد تنصر عندهم وتزوج منهم ، فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الاسلام وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبني بناء ضعيفا بلا أساس ، فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية فكان أول موضع انهدم من سورها ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الأسير ، فبادر أهل البلد فسدوه بالخشب الكبار المتلاصقة فألح عليها المنجنيق فجعلوا فوقها البرادع ليردوا حدة الحجر فلم تغن شيئا ، وانهدم السور من ذلك الجانب وتفسخ . فكتب نائب البلد إلى ملك الروم يعلمه بذلك ، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم فلما اجتازوا بالجيش في طريقهما أنكر المسلمون أمرهما فسألوهما ممن أنتما ؟ فقالا : من أصحاب فلان - لأمير سموه من أمراء المسلمين - فحملا إلى المعتصم فقررهما فإذا معهما كتاب مناطس ( 1 ) نائب عمورية إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار ، وأنه عازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتة على المسلمين ومناجزهم القتال كائنا في ذلك ما كان . فلما وقف المعتصم على ذلك أمر بالغلامين فخلع عليهما ، وأن يعطى كل غلام منهما بدرة ، فأسلما من فورهما فأمر الخليفة أن يطاف بهما حول البلد وعليهما الخلع ، وأن يوقفا تحت حصن مناطس فينثر عليهما الدراهم والخلع ، ومعهما الكتاب الذي كتب به مناطس إلى ملك الروم فجعلت الروم تلعنهما وتسبهما . ثم أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط والاحتفاظ من خروج الروم بغتة فضاقت الروم ذرعا بذلك ، وألح عليهم المسلمون في الحصار ، وقد زاد المعتصم في المجانيق والدبابات وغير ذلك من آلات الحرب . ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها ، أعمل المجانيق في مقاومة السور ، وكان قد غنم في الطريق غنما كثيرا جدا ففرقها في الناس وأمر أن يأكل كل رجل رأسا ويجئ بملء جلده ترابا فيطرحه في الخندق ، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الأرض من كثرة ما طرح فيه من الأغنام ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقا ممهدا ، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج الله إلى ذلك . وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب ، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة ، فبعث المعتصم من نادى في الناس : إنما ذلك سقوط السور . ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا ، لكن لم يكن ما هدم يسع الخيل والرجال إذا دخلوا . وقوي الحصار وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميرا يحفظه ، فضعف ذلك الأمير الذي هدمت ناحيته من السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار ، فذهب إلى مناطس فسأله نجدة فامتنع أحد من الروم أن ينجده وقالوا : لا نترك ما نحن موكلون في حفظه .

--> ( 1 ) في الطبري : 10 / 339 : ياطس ، وفي ابن الأثير 6 / 485 : ناطس . وفي مروج الذهب 4 / 70 : باطس وهو بطريق عمورية الكبير .