ابن كثير
302
البداية والنهاية
يكن له بصيرة نافذة فيه ، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل ، وراج عنده الباطل . ودعا إليه وحمل الناس عليه قهرا . وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته . وقال ابن أبي الدنيا : كان المأمون أبيض ربعة حسن الوجه قد وخطه الشيب يعلوه صفرة أعين طويل اللحية رقيقها ضيق الجبين ، على خده خال . أمه أم ولد يقال لها مراجل . وروى الخطيب عن القاسم بن محمد بن عباد قال : لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء غير عثمان بن عفان والمأمون ، وهذا غريب جدا لا يوافق عليه ، فقد كان يحفظ القرآن عدة من الخلفاء . قالوا : وقد كان المأمون يتلو في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة ، وجلس يوما لاملاء الحديث فاجتمع حوله القاضي يحيى بن أكثم وجماعة فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثا . وكانت له بصيرة بعلوم متعددة ، فقها وطبا وشعرا وفرائض وكلاما ونحوا وغريبه ، وغريب حديث ، وعلم النجوم . وإليه ينسب الزيج المأموني . وقد اختبر مقدار الدرجة في وطئه سنجار فاختلف عمله وعمل الأوائل من الفقهاء . وروى ابن عساكر أن المأمون جلس يوما للناس وفي مجلسه الأمراء والعلماء ، فجاءت امرأة تتظلم إليه فذكرت أن أخاها توفي وترك ستمائة دينار ، فلم يحصل لها سوى دينار واحد . فقال لها المأمون على البديهة : قد وصل إليك ، حقك ، كان أخاك قد ترك بنتين وأما وزوجة واثني عشر أخا وأختا واحدة وهي أنت ، قالت : نعم يا أمير المؤمنين . فقال : للبنتين الثلثان أربعمائة دينار ، وللأم السدس مائة دينار ، وللزوجة الثمن خمسة وسبعون دينارا ، بقي خمسة وعشرون دينارا لكل أخ ديناران ديناران ، ولك دينار واحد . فعجب العلماء من فطنته وحدة ذهنه وسرعة جوابه . وقد رويت هذه الحكاية عن علي بن أبي طالب . ودخل بعض الشعراء على المأمون وقد قال فيه بيتا من الشعر يراه عظيما ، فلما أنشده إياه لم يقع منه موقعا طائلا ، فخرج من عنده محروما ، فلقيه شاعر آخر فقال له : ألا أعجبك ! أنشدت المأمون هذا البيت فلم يرفع به رأسا . فقال : وما هو ؟ قال قلت فيه : أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا * بالدين والناس بالدنيا مشاغيل فقال له الشاعر الآخر : ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها . فهلا قلت كما قال جرير في عبد العزيز بن مروان : فلا هو في الدنيا مضيع ( 1 ) نصيبه * ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله وقال المأمون يوما لبعض جلسائه : بيتان اثنان لاثنين ما يلحق بهما أحد ، قول أبي نواس : إذا اختبر الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في لباس صديق وقول شريح :
--> ( 1 ) في ابن الأثير 6 / 438 : يضيع .