ابن كثير

297

البداية والنهاية

كانت أحب الناس إلى الرشيد ، وكانت ذات حسن باهر وجمال طاهر ، وكان له معها من الحظايا والجواري والزوجات غيرها كثيرا كما ذكرنا ذلك في ترجمته ، وإنما لقبت زبيدة لان جدها أبا جعفر المنصور كان يلاعبها ويرقصها وهي صغيرة ويقول : إنما أنت زبيدة ، لبياضها ، فغلب ذلك عليها فلا تعرف إلا به ، وأصل اسمها أم العزيز . وكان لها من الجمال والمال والخير والديانة والصدقة والبر شئ كثير . وروى الخطيب أنها حجت فبلغت نفقتها في ستين يوما أربعة وخمسين ألف ألف درهم . ، ولما هنأت المأمون بالخلافة قالت : هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك ، ولئن كنت فقدت ابنا خليفة لقد عوضت ابنا خليفة لم ألده ، وما خسر من اعتاض مثلك ، ولا ثكلت أم ملأت يدها منك ، وأنا أسأل الله أجرا على ما أخذ ، وإمتاعا بما عوض . توفيت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين . ثم قال الخطيب : حدثني الحسين بن محمد الخلال لفظا قال : وحدث أبا الفتح القواس قال ثنا صدقة بن هبيرة الموصلي ، ثنا محمد بن عبد الله الواسطي قال : قال عبد الله بن المبارك : رأيت زبيدة في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ فقالت غفر لي في أول معول ضرب في طريق مكة . قلت : فما هذه الصفرة ؟ قالت : دفن بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي زفرت عليه جهنم زفرة فاقشعر لها جسدي فهذه الصفرة من تلك الزفرة . وذكر ابن خلكان : أنه كان لها مائة جارية كلهن يحفظن القرآن العظيم ، غير من قرأ منه ما قدر له وغير من لم يقرأ ، وكان يسمع لهن في القصر دوي كدوي النحل ، وكان ورد كل واحدة عشر القرآن ، وورد أنها رؤيت في المنام فسئلت : عما كانت تصنعه من المعروف والصدقات وما عملته في طريق الحج فقالت : ذهب ثواب ذلك كله إلى أهله ، وما نفعنا إلا ركعات كنت أركعهن في السحر . وفيها جرت حوادث وأمور يطول ذكرها . ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين في المحرم منها دخل المأمون مصر وظفر بعبدوس الفهري فأمر فضربت عنقه ، ثم كر راجعا إلى الشام . وفيها ركب المأمون إلى بلاد الروم أيضا فحاصر لؤلؤة مائة يوم ، ثم ارتحل عنها واستخلف على حصارها عجيفا فخدعته الروم فأسروه فأقام في أيديهم ثمانية أيام ، ثم انفلت منهم واستمر محاصرا لهم ، فجاء ملك الروم بنفسه فأحاط بجيشه من ورائه ، فبلغ المأمون فسار إليه ، فلما أحس توفيل بقدومه هرب وبعث وزيره صنغل فسأله الأمان والمصالحة ، لكنه بدأ بنفسه قبل المأمون ( 1 ) فرد عليه المأمون كتابا بليغا مضمونه التقريع والتوبيخ ، وإني إنما أقبل منك الدخول في الحنيفية وإلا فالسيف والقتل والسلام على من اتبع الهدى وفيها حج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي . وفيها توفي الحجاج بن منهال ( 2 ) . وشريح بن النعمان ( 3 ) . وموسى بن داود الضبي ( 4 ) والله سبحانه أعلم .

--> ( 1 ) نسخة الكتاب في الطبري . 10 / 283 . ( 2 ) أبو محمد الأنماطي ، كان سمسارا حدث عنه البخاري وغيره وسمع شعبة وطائفة وكان ثقة صاحب سنة . ( 3 ) البغدادي الجوهري الحافظ ، كما ثقة مبرزا . ( 4 ) الضبي . أبو عبد الله الكوفي كان مصنفا مكثرا مأمونا ، قاضي طرسوس حتى وفاته وكان ثقة ، زاهدا صاحب حديث .