ابن كثير
288
البداية والنهاية
ثم دخلت سنة عشر ومائتين في صفر منها دخل نصر بن شبث بغداد ، بعثه عبد الله بن طاهر فدخلها ولم يتلقاه أحد من الجند بل دخلها وحده ، فأنزل في المدينة أبي جعفر ثم حول إلى موضع آخر . وفي هذا الشهر ظفر المأمون بجماعة من كبراء من كان بايع إبراهيم بن المهدي فعاقبهم وحبسهم في المطبق ، ولما كان ليلة الأحد لثلاث عشرة من ربيع الآخر اجتاز إبراهيم بن المهدي - وكان مختفيا مدة ست سنين وشهورا متنقبا في زي امرأة ومعه امرأتان - في بعض دروب بغداد في أثناء الليل ، فقام الحارس فقال : إلى أين هذه الساعة ؟ ومن أين ؟ ثم أراد أن يمسكهن فأعطاه إبراهيم خاتما كان في يده من ياقوت ، فلما نظر إليه استراب وقال : إنما هذا خاتم رجل كبير الشأن ، فذهب بن إلى متولي الليل فأمرهن أن يسفرن عن وجوههن ، فتمنع إبراهيم فكشفوا عن وجهه فإذا هو هو ، فعرفه فذهب به إلى صاحب الجسر فسلمه إليه فرفعه الآخر إلى باب المأمون ، فأصبح في دار الخلافة ونقابه على رأسه والملحفة في صدره ليراه الناس ، وليعلموا كيف أخذ . فأمر المأمون بالاحتفاظ به والاحتراس عليه مدة ، ثم أطلقه ورضي عنه . هذا وقد صلب جماعة ممن كان سجنهم بسببه لكونهم أرادوا الفتك بالموكلين بالسجن ، فصلب منهم أربعة . وقد ذكروا أن إبراهيم لما وقف بين يدي المأمون أنبه على ما كان منه فترقق له عمه إبراهيم كثيرا ، وقال : يا أمير المؤمنين إن تعاقب فبحقك ، وإن تعف فبفضلك . فقال : بل أعفو يا إبراهيم إن القدرة تذهب الحفيظة ، والندم توبة وبينهما عفو الله عز وجل ، وهو أكبر مما تسأله ، فكبر إبراهيم وسجد شكرا لله عز وجل . وقد امتدح إبراهيم بن المهدي ابن أخيه المأمون بقصيدة بالغ فيها ، فلما سمعها المأمون قال : أقول كما قال يوسف لاخوته ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) [ يوسف : 92 ] وذكر ابن عساكر أن المأمون لما عفا عن عمه إبراهيم أمره أن يغنيه شيئا فقال : إني تركته . فأمره فأخذ العود في حجره وقال : هذا مقام سرور خربت منازله ودوره * نمت عليه عداته كذبا فعاقبه أميره ثم عاد فقال : ذهبت من الدنيا وقد ذهبت عني * لوى الدهر بي عنها وولى بها عني فإن أبك نفسي أبك نفسا عزيزة * وإن أحتقرها أحتقرها على ضغن وإني وإن كنت المسئ بعينه * فإني بربي موقن حسن الظن عدوت على نفسي فعاد بعفوه * علي فعاد العفو منا على من