ابن كثير

273

البداية والنهاية

علي بن موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، القرشي الهاشمي العلوي الملقب بالرضى ، كان المأمون قد هم أن ينزل له عن الخلافة فأبى عليه ذلك ، فجعله ولي العهد من بعده كما قدمنا ذلك . توفي في صفر من هذه السنة بطوس . وقد روى الحديث عن أبيه وغيره ، وعنه جماعة منهم المأمون وأبو السلط الهروي وأبو عثمان المازني النحوي ، وقال سمعته يقول : الله أعدل من أن يكلف العباد ما لا يطيقون ، وهم أعجز من أن يفعلوا ما يريدون . ومن شعره : كلنا يأمل مدا في الاجل * والمنايا هن آفات الامل لا تغرنك أباطيل المنى * والزم القصد ودع عنك العلل إنما الدنيا كظل زائل * حل فيه راكب ثم ارتحل ثم دخلت سنة أربع ومائتين فيها كان قدوم المأمون أرض العراق ، وذلك أنه مر بجرجان فأقام بها شهرا ، ثم سار منها وكان ينزل في المنزل يوما أو يومين ، ثم جاء إلى النهروان فأقام بها ثمانية أيام ، وقد كتب إلى طاهر بن الحسين وهو بالرقة أن يوافيه إلى النهروان فوافاه بها وتلقاه رؤوس أهل بيته والقواد وجمهور الجيش ، فلما كان يوم السبت الآخر دخل بغداد حين ارتفع النهار لأربع عشرة ليلة خلت ( 1 ) من صفر ، في أبهة عظيمة وجيش عظيم ، وعليه وعلى جميع أصحابه وفتيانه الخضرة ، فلبس أهل بغداد وجميع بني هاشم الخضرة ، ونزل المأمون بالرصافة ثم تحول إلى قصر على دجلة ، وجعل الأمراء ووجوه الدولة يترددون إلى منزله على العادة ، وقد تحول لباس البغاددة إلى الخضرة ، وجعلوا يحرقون كل ما يجدونه من السواد ، فمكثوا كذلك ثمانية أيام . ثم استعرض حوائج طاهر بن الحسين فكان أول حاجة سألها أن يرجع إلى لباس السواد ، فإنه لباس آبائه من دولة ورثة الأنبياء . فلما كان السبت الآخر وهو الثامن والعشرين من صفر جلس المأمون للناس وعليه الخضرة ، ثم إنه أمر بخلعة سوداء فألبسها طاهرا ، ثم ألبس بعده جماعة من الأمراء السواد ، فلبس الناس السواد وعادوا إلى ذلك ، فعلم منهم بذلك الطاعة والموافقة ، وقيل إنه مكث يلبس الخضرة بعد قدومه بغداد سبعا وعشرين يوما ، فالله أعلم . ولما جاء إليه عمه إبراهيم بن المهدي بعد اختفائه ست سنين وشهورا قال له المأمون : أنت الخليفة الأسود ، فأخذ في الاعتذار والاستغفار ، ثم قال : أنا الذي مننت عليه يا أمير المؤمنين بالعفو ، وأنشد المأمون عند ذلك :

--> ( 1 ) في الطبري 10 / 254 : بقيت ، وفي ابن الأثير 6 / 304 : دخل بغداد منتصف صفر .