ابن كثير

26

البداية والنهاية

يجلس إلا بهما وقت الغداء والعشاء ، فلما حاصر حمص نادوه إنا على طاعتك ، فقال : افتحوا باب البلد ففتحوه . ثم كان منهم بعض القتال فقتل منهم نحو الخمسمائة أو الستمائة ، فأمر بهم فصلبوا حول البلد ، وأمر بهدم بعض سورها . وأما أهل دمشق فأما أهل الغوطة فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو وأمروا عليهم يزيد بن خالد القسري وثبت في المدينة نائبها ، فبعث إليه أمير المؤمنين مروان بن حمص عسكرا نحو عشرة آلاف ، فلما اقتربوا من دمشق خرج النائب فيمن معه والتقوا هم والعسكر بأهل الغوطة فهزموهم وحرقوا المزة وقرى أخرى معها ، واستجار يزيد بن خالد القسري وأبو علاقة الكلبي برجل من أهل المزة من لخم ، فدل عليهم زامل بن عمرو فقتلهما وبعث برأسيهما إلى أمير المؤمنين مروان وهو بحمص . وخرج ثابت بن نعيم في أهل فلسطين على الخليفة وأتوا طبرية فحاصروها ، فبعث الخليفة إليهم جيشا فأجلوهم عنها واستباحوا عسكرهم ، وفر ثابت بن نعيم هاربا إلى فلسطين فاتبعه الأمير أبو الورد فهزمه ثانية وتفرق عنه أصحابه ، وأسر أبو الورد ثلاثة من أولاده فبعث بهم إلى الخليفة وهم جرحى فأمر بمداواتهم ، ثم كتب أمير المؤمنين إلى نائب فلسطين وهو الرماحس ( 1 ) بن عبد العزيز الكناني يأمره بطلب ثابت بن نعيم حيث كان ، فما زال يتلطف به حتى أخذه أسيرا ، وذلك بعد شهرين ، فبعثه إلى الخليفة وأمر بقطع يديه ورجليه ، وكذلك جماعة كانوا معه ، وبعث بهم إلى دمشق فأقيموا على باب مسجدها ، لان أهل دمشق كانوا قد أرجفوا بأن ثابت بن نعيم ذهب إلى ديار مصر فتغلب عليها وقتل نائب مروان فيها ، فأرسل إليهم مقطع اليدين والرجلين ليعرفوا بطلان ما كانوا به أرجفوا . وأقام الخليفة مروان بدير أيوب عليه السلام مدة حتى بايع لابنه عبد الله ثم عبيد الله وزوجهما ابنتي هشام ، وهما أم هشام وعائشة ، وكان مجمعا حافلا وعقدا هائلا ، ومبايعة عامة ، ولكن لم تكن في نفس الامر تامة . وقدم الخليفة إلى دمشق وأمر بثابت وأصحابه بعد ما كانوا تقطعوا أن يصلبوا على أبواب البلد ، ولم يستبق منهم أحدا إلا واحدا وهو عمرو بن الحارث الكلبي ، وكان عنده فيما زعم علم بودايع كان ثابت بن نعيم أودعها عند أقوام . واستوسق أمر الشام لمروان ما عدا تدمر ، فسار من دمشق فنزل القسطل من أرض حمص ، وبلغه أن أهل تدمر قد غوروا ما بينه وبينهم من المياه ، فاشتد غضبه عليهم ومعه جحافل من الجيوش ، فتكلم الأبرش بن الوليد وكانوا قومه فسأل منه أن يرسل إليهم أولا ليعذر إليهم ، فبعث عمرو بن الوليد أخا الأبرش ، فلما قدم عليهم لم يلتفتوا إليه ولا سمعوا له قولا فرجع ، فهم الخليفة أن يبعث الجنود فسأله الأبرش أن يذهب إليهم بنفسه فأرسله ، فلما قدم عليهم الأبرش كلمهم واستمالهم إلى السمع والطاعة ، فأجابه أكثرهم وامتنع بعضهم ، فكتب إلى الخليفة يعلمه بما وقع ، فأمره الخليفة أن يهدم بعض سورها ، وأن يقبل بمن أطاعه منهم إليه ، ففعل . فلما حضروا عنده سار بمن معه من الجنود نحو الرصافة على طريق البرية ، ومعه من الرؤوس إبراهيم بن الوليد المخلوع ، وسليمان بن هشام ، وجماعة من ولد الوليد ويزيد وسليمان ، فأقام

--> ( 1 ) في القاموس المحيط للفيروزآبادي : الرماحس بن عبد العزى بن الرماحس كان على شرطة مروان بن محمد .