ابن كثير
259
البداية والنهاية
أبو شيص الشاعر محمد بن رزين بن سليمان ، كان أستاذ الشعراء ، وإنشاء الشعر ونظمه أسهل عليه من شرب الماء ، كذا قال ابن خلكان وغيره . وكان هو وأبو مسلم بن الوليد - الملقب صريع الغواني - وأبو نواس ودعبل يجتمعون ويتناشدون . وقد عمي أبو الشيص في آخر عمره ، ومن جيد شعره قوله : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة * حبا لذكرك فليلمني اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم * إذ كان حظي منك حظي منهم وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا * ما من يهون عليك ممن تكرم ( 1 ) ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة استهلت هذه السنة وقد ألح طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين ومن معهما في حصار بغداد والتضييق على الأمين ، وهرب القاسم بن الرشيد وعمه منصور بن المهدي إلى المأمون فأكرمهما ، وولى أخاه القاسم جرجان ، واشتد حصار بغداد ونصب عليها المجانيق والعرادات . وضاق الأمين بهم ذرعا ، ولم يبق معه ما ينفق في الجند ، فاضطر إلى ضرب آنية الفضة والذهب دراهم ودنانير ، وهرب كثير من جنده إلى طاهر ، وقتل من أهل البلد خلق كثير ، وأخذت أموال كثيرة منهم ، وبعث الأمين إلى قصور كثيرة ودور شهيرة مزخرفة وأماكن ومحال كثيرة فحرقها بالنار لما رأى في ذلك من المصلحة فعل كل هذا فرارا من الموت ولتدوم الخلافة له فلم تدم ، وقتل وخربت دياره كما سيأتي قريبا ، وفعل طاهر مثل ما فعل الأمين حتى كادت بغداد تخرب بكمالها ، فقال بعضهم ( 2 ) في ذلك : من ذا أصابك يا بغداد بالعين * ألم تكوني زمانا قرة العين ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم * وكان قربهم ( 3 ) زينا من الزين صاح الغراب ( 4 ) بهم بالبين فافترقوا * ماذا لقيت بهم من لوعة البين استودع الله قوما ما ذكرتهم * إلا تحدر ماء العين ( 5 ) من عيني
--> ( 1 ) في الأغاني 16 / 402 : يكرم . ( 2 ) في الطبري 10 / 175 : ففي ذلك يقول العتري - وهو عمرو بن عبد الملك الوراق العتري - ، وفي مروج الذهب 3 / 492 : فقال الشاعر : ( 3 ) في مروج الذهب : كان قربهم . . . * وكان مسكنهم . . . ( 4 ) في مروج الذهب : الزمان . ( 5 ) في مروج الذهب : الدمع .