ابن كثير
257
البداية والنهاية
- وقد كان أخرجه من سجن الرشيد - وأمره أن يبعث له رجالا وجنودا لقتال طاهر وهرثمة ، فلما وصل إلى الرقة أقام بها وكتب إلى رؤساء الشام يتألفهم ويدعوهم إلى الطاعة ، فقدم عليه منهم خلق كثير ، ثم وقعت حروب كان مبدؤها من أهل حمص ، وتفاقم الامر وطال القتال بين الناس ، ومات عبد الملك بن صالح هنالك فرجع الجيش إلى بغداد صحبة الحسين بن علي بن ماهان ، فتلقاه أهل بغداد بالاكرام ، وذلك في شهر رجب من هذه السنة . فلما وصل جاء رسول الأمين يطلبه فقال : والله ما أنا بمسامر ولا مضحك ، ولا وليت له عملا ولا جبى على يدي مالا ، فلماذا يطلبني في هذه الليلة ؟ . سبب خلع الأمين وكيف أفضت الخلافة إلى أخيه المأمون لما أصبح الحسين بن علي بن ماهان ولم يذهب إلى الأمين لما طلبه ، وذلك بعد مقدمه بالجيش من الشام ، قام في الناس خطيبا وألبهم على الأمين ، وذكر لعبه وما يتعاطاه من اللهو وغير ذلك من المعاصي ، وأنه لا تصلح الخلافة لمن هذا حاله ، وأنه يريد أن يوقع البأس بين الناس ، ثم حثهم على القيام عليه والنهوض إليه ، وندبهم لذلك ، فالتف عليه خلق كثير وجم غفير ، وبعث محمد الأمين إليه خيلا فاقتتلوا مليا من النهار ، فأمر الحسين أصحابه بالترجل إلى الأرض وأن يقاتلوا بالسيف والرماح ، فانهزم جيش الأمين وخلعه وأخذ البيعة لعبد الله المأمون ، وذلك يوم الأحد الحادي عشر من شهر رجب من هذه السنة ، ولما كان يوم الثلاثاء نقل الأمين من قصره إلى قصر أبي جعفر وسط بغداد ، وضيق عليه وقيده واضطهده ، وأمر العباس بن عيسى بن موسى أمه زبيدة أن تنتقل إلى هناك فامتنعت فضربها بالسوط وقهرها على الانتقال فانتقلت مع أولادها ، فلما أصبح الناس يوم الأربعاء طلبوا من الحسين بن علي أعطياتهم واختلفوا عليه وصار أهل بغداد فرقتين ، فرقة مع الأمين وفرقة عليه ، فاقتتلوا قتالا شديدا فغلب حزب الخليفة أولئك ، وأسروا الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان وقيدوه ودخلوا به على الخليفة ففكوا عنه قيوده وأجلسوه على سريره ، فعند ذلك أمر الخليفة من لم يكن معه سلاح من العامة أن يعطى سلاحا من الخزائن ، فانتهب الناس الخزائن التي فيها السلاح بسبب ذلك ، وأمر الأمين فأتي بالحسين بن علي بن عيسى فلامه على ما صدر منه فاعتذر إليه بأن عفو الخليفة حمله على ذلك . فعفا عنه وخلع عليه واستوزره وأعطاه الخاتم وولاه ما وراء بابه ، وولاه الحرب وسيره إلى حلوان ، فلما وصل إلى الجسر هرب في حاشيته وخدمه فبعث إليه الأمين من يرده ، فركبت الخيول وراءه فأدركوه فقاتلهم وقاتلوه فقتلوه لمنتصف رجب ، وجاؤوا برأسه إلى الأمين ، وجدد الناس البيعة للأمين يوم الجمعة ، ولما قتل الحسين بن علي بن عيسى هرب الفضل بن الربيع الحاجب واستحوذ طاهر بن الحسين على أكثر البلاد للمأمون ، واستناب بها النواب ، وخلع أكثر أهل الأقاليم الأمين وبايعوا المأمون ، ودنا طاهر إلى المدائن فأخذها مع واسط وأعمالها ، واستناب من جهته على الحجاز واليمن والجزيرة والموصل وغير ذلك ، ولم يبق مع الأمين من البلاد إلا القليل . وفي شعبان منها عقد الأمين أربعمائة لواء مع كل لواء أمير ، وبعثهم لقتال هرثمة ، فالتقوا في شهر رمضان فكسرهم هرثمة