ابن كثير

255

البداية والنهاية

تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل * تجود وتعفو منة وتكرما ولولاك لم يقدر لإبليس عابد * وكيف وقد أغوى صفيك آدما رواه ابن عساكر . وروى أنهم وجدوا عند رأسه رقعة مكتوبا فيها بخطه : يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم أدعوك ربي كما أمرت تضرعا * فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم إن كان لا يرجوك ( 1 ) إلا محسن * فمن الذي يرجو المسئ المجرم مالي إليك وسيلة إلا الرجا * وجميل عفوك ثم أني مسلم وقال يوسف بن الداية : دخلت عليه وهو في السياق فقلت : كيف تجدك ؟ فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال : دب في الفناء سفلا وعلوا * وأراني أموت عضوا فعضوا ليس يمضي من لحظة بي إلا * نقصتني مبرها في جزوا ذهبت جدتي بلذة عيشي * وتذكرت طاعة الله نضوا قد أسأنا كل الإساءة فاللهم * صفحا عنا وغفرا وعفوا ثم مات من ساعته سامحنا الله وإياه آمين . وقد كان نقش خاتمه لا إله إلا الله مخلصا ، فأوصى أن يجعل في فمه إذا غسلوه ففعلوا به ذلك . ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلاثمائة درهم وثيابه وأثاثة ، وقد كانت وفاته في هذه السنة ببغداد ودفن في مقابر الشونيزي في تل اليهود . وله خمسون سنة . وقيل ستون سنة ، وقيل تسع وخمسون سنة . وقد رآه بعض أصحابه في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي بأبيات قلتها في النرجس : تفكر في نبات الأرض وانظر * إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات * بأبصار هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات * بأن الله ليس له شريك وفي رواية عنه أنه قال : غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي فجاؤوا فوجدوها برقعة في خطه : يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت أن عفوك أعظم

--> ( 1 ) في الوفيات 2 / 103 : يدعوك . . . فمن الذي يرجو ويدعو المجرم