ابن كثير

244

البداية والنهاية

والقاسم ، وصغر عنده شأن المأمون . وإنما حمله على ذلك خوفه من المأمون إن أفضت إليه الخلافة أن يخلعه من الحجابة . فوافقه الأمين على ذلك وأمر بالدعاء لولده موسى وبولاية العهد من بعده ، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة . فلما بلغ المأمون قطع البريد عنه وترك ضرب اسمه على السكة والطرز ، وتنكر للأمين . وبعث رافع بن الليث إلى المأمون يسأل منه الأمان فأمنه فسار إليه بمن معه فأكرمه المأمون وعظمه ، وجاء هرثمة على إثره فتلقاه المأمون ووجوه الناس وولاه الحرس ، فلما بلغ الأمين أن الجنود التفت على أخيه المأمون ساءه ذلك وأنكره ، وكتب إلى المأمون كتابا وأرسل إليه رسلا ثلاثة من أكابر الأمراء ، سأله أن يجيبه إلى تقديم ولده عليه ، وأنه قد سماه الناطق بالحق ، فأظهر المأمون الامتناع فشرع الأمراء في مطايبته وملاينته ، وأن يجيبهم إلى ذلك فأبى كل الاباء ، فقال له العباس بن موسى بن عيسى : فقد خلع أبي نفسه فماذا كان ؟ فقال المأمون إن أباك كان امرءا مكروها ، ثم لم يزل المأمون يعد العباس ويمنيه حتى بايعه بالخلافة ، ثم لما رجع إلى بغداد كان يراسله بما كان من أمر الأمين ويناصحه ، ولما رجع الرسل إلى الأمين أخبروه بما كان من قول أخيه ، فعند ذلك صمم الفضل بن الربيع على الأمين في خلع المأمون ، فخلعه وأمر بالدعاء لولده في سائر البلاد ، وأقاموا من يتكلم في المأمون ويذكر مساويه ، وبعثوا إلى مكة فأخذوا الكتاب الذي كتبه الرشيد وأودعه في الكعبة فمزقه الأمين وأكد البيعة إلى ولده الناطق بالحق على ما ولاه من الأعمال ، وجرت بين الأمين والمأمون مكاتبات ورسل يطول بسطها . وقد استقصاها ابن جرير في تاريخه ( 1 ) ، ثم آل بهما الامر إلى أن احتفظ كل منهما على بلاده وحصنها وهيأ الجيوش والجنود وتألف الرعايا . وفيها غدرت الروم بملكهم ميخائيل فراموا خلعه وقتله فترك الملك وترهب وولوا عليهم إليون . وحج بالناس فيها نائب الحجاز داود بن عيسى ، وقيل علي بن الرشيد . وفيها توفي من الأعيان : سالم بن سالم : أبو بحر البلخي قدم بغداد وحدث بها عن إبراهيم بن طهمان والثوري . وعنه الحسن بن عرفة . وكان عابدا زاهدا ، مكث أربعين سنة لم يفرش له فراش ، وصامها كلها إلا يومي العيد ، ولم يرفع رأسه إلى السماء ، وكان داعية الارجاء ضعيف الحديث ، إلا أنه كان رأسا في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان قد قدم بغداد فأنكر على الرشيد وشنع عليه فحبسه وقيده باثني عشر قيدا ، فلم يزل أبو معاوية يشفع فيه حتى جعلوه في أربعة قيود ، ثم كان يدعو الله أن يرده إلى أهله . فلما توفي الرشيد أطلقته زبيدة فرجع - وكانوا بمكة قد جاؤوا حجاجا - فمرض بمكة واشتهى يوما بردا فسقط في ذلك الوقت برد حين اشتهاه فأكل منه . مات في ذي الحجة من هذه السنة .

--> ( 1 ) انظر تاريخ الطبري 10 / 132 وابن الأثير 6 / 232 .