ابن كثير
239
البداية والنهاية
فنثر عليهن . وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم . رواه ابن عساكر أيضا . وروي أنه اشترى جارية من المدينة فأعجب بها جدا فأمر بإحضار مواليها ومن يلوذ بهم ليقضي حوائجهم ، فقدموا عليه بثمانين نفسا فأمر الحاجب - وهو الفضل بن الربيع - أن يتلقاهم ويكتب حوائجهم ، فكان فيهم رجل قد أقام بالمدينة لأنه كان يهوى تلك الجارية ، فبعثت إليه فأتى به فقال له الفضل : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي أن يجلسني أمير المؤمنين مع فلانة فأشرب ثلاثة أرطال من خمر ، وتغنيني ثلاثة أصوات . فقال : أمجنون أنت ؟ فقال : لا ولكن أعرض حاجتي هذه على أمير المؤمنين . فذكر للرشيد ذلك فأمر بإحضاره وأن تجلس معه الجارية بحيث ينظر إليهما ولا يريانه فجلست على كرسي والخدام بين يديها ، وأجلس على كرسي فشرب رطلا وقال لها غنني : خليلي عوجا بارك الله فيكما * وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا وقولا لها ليس الضلال أجازنا * ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا غدا يكثر البادون منا ومنكم * وتزداد داري من دياركم بعدا قال : فغنته ثم استعجله الخدم فشرب رطلا آخر ، وقال : غنني جعلت فداك : تكلم منا في الوجوه عيوننا * فنحن سكوت والهوى يتكلم ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا * وذلك فيما بيننا ليس يعلم قال : فغنته : ثم شرب رطلا ثالثا وقال : غنني جعلني الله فداك : أحسن ما كنا تفرقنا * وخاننا الدهر وما خنا فليت ذا الدهر لنا مرة * عاد لنا يوما كما كنا قال : ثم قام الشاب إلى درجة هناك ثم ألقى نفسه من أعلاها على أم رأسه فمات . فقال الرشيد : عجل الفتى ، والله لو لم يعجل لوهبتها له . وفضائل الرشيد ومكارمه كثيرة جدا . قد ذكر الأئمة من ذلك شيئا كثيرا فذكرنا منه أنموذجا صالحا . وقد كان الفضيل بن عياض يقول : ليس موت أحد أعز علينا من موت الرشيد ، لما أتخوف بعده من الحوادث ، وإني لأدعو الله أن يزيد في عمره من عمري قالوا : فلما مات الرشيد وظهرت تلك الفتن والحوادث والاختلافات ، وظهر القول بخلق القرآن ، فعرفنا ما كان تخوفه الفضيل من ذلك . وقد تقدمت رؤياه لذلك الكف وتلك التربة الحمراء وقائل يقول : هذه تربة أمير المؤمنين . فكان موتا بطوس . وقد روى ابن عساكر أن الرشيد رأى في منامه قائلا يقول : كأني بهذا القصر قد باد أهله . الشعر إلى آخره .