ابن كثير

233

البداية والنهاية

يضيع لديه بر ومعروف ، وكان نقش خاتمه لا إله إلا الله . وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعا ، إلى أن فارق الدنيا ، إلا أن تعرض له علة ، وكان ابن أبي مريم هو الذي يضحكه ، وكان عنده فضيلة بأخبار الحجاز وغيرها ، وكان الرشيد قد أنزله في قصره وخلطه بأهله . نبهه الرشيد يوما إلى صلاة الصبح فقام فتوضأ ثم أدرك الرشيد وهو يقرأ ( وما لي لا أعبد الذي فطرني ) [ يس : 22 ] فقال ابن أبي مريم : لا أدري والله . فضحك الرشيد وقطع الصلاة ، ثم أقبل عليه وقال : ويحك اجتنب الصلاة والقرآن وقل فيما عدا ذلك . ودخل يوما العباس بن محمد على الرشيد ومعه برنية من فضة فيها غالية من أحسن الطيب ، فجعل يمدحها ويزيد في شكرها ، وسأل من الرشيد أن يقبلها منه فقبلها فاستوهبها منه ابن أبي مريم فوهبها له ، فقال له العباس : ويحك ! جئت بشئ منعته نفسي وأهلي وآثرت به أمير المؤمنين سيدي فأخذته . فحلف ابن أبي مريم ليطيبن به استه ، ثم أخذ منها شيئا فطلى به استه ودهن جوارحه كلها منها ، والرشيد لا يتمالك نفسه من الضحك . ثم قال لخادم قائم عندهم يقال له خاقان : اطلب لي غلامي . فقال الرشيد : ادع له غلامه . فقال له : خذ هذه الغالية واذهب بها إلى ستك فمرها فلتطيب منها استها حتى أرجع إليها فأنيكها . فذهب الضحك بالرشيد كل مذهب ، ثم أقبل ابن أبي مريم على العباس بن محمد فقال له : جئت بهذه الغالية تمدحها عند أمير المؤمنين الذي ما تمطر السماء شيئا ولا تنبت الأرض شيئا إلا وهو تحت تصرفه وفي يده ؟ وأعجب من هذا أن قيل لملك الموت : ما أمرك به هذا فأنفذه . وأنت تمدح هذه الغالية عنده كأنه بقال أو خباز أو طباخ أو تمار ، فكاد الرشيد يهلك من شدة الضحك . ثم أمر لابن أبي مريم بمائة ألف درهم . وقد شرب الرشيد يوما دواء فسأله ابن أبي مريم أن يلي الحجابة في هذا اليوم ، ومهما حصل له كان بينه وبين أمير المؤمنين ، فولاه الحجابة ، فجاءت الرسل بالهدايا من كل جانب ، من عند زبيدة والبرامكة وكبار الأمراء ، وكان حاصله في هذا اليوم ستين ألف دينار ، فسأله الرشيد في اليوم الثاني عما تحصل فأخبره بذلك ، فقال له : فأين نصيبي ؟ فقال ابن أبي مريم : قد صالحتك عليه بعشرة آلاف تفاحة . وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد بن حازم ليسمع منه الحديث قال أبو معاوية : ما ذكرت عنده حديثا إلا قال صلى الله وسلم على سيدي ، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى ، وأكلت عنده يوما ثم قمت لأغسل يدي فصب الماء علي وأنا لا أراه ، ثم قال : يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء ؟ قلت : لا . قال : يصب عليك أمير المؤمنين . قال أبو معاوية : فدعوت له ، فقال : إنما أردت تعظيم العلم . وحدثه أبو معاوية يوما عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى ، فقال عم الرشيد : أين التقيا يا أبا معاوية ؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبا شديدا ، وقال : أتعترض على الحديث ؟ علي بالنطع والسيف ، فأحضر ذلك فقام الناس إليه يشفعون فيه فقال الرشيد : هذه زندقة . ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا ،