ابن كثير
218
البداية والنهاية
وإنما مراده بمقامه بالرقة ردع المفسدين بها ، وقد قال العباس بن الأحنف في خروجهم من بغداد مع الرشيد : ما أنخنا حتى ارتحلنا فما * نفرق بين المناخ والارتحال ساءلونا عن حالنا إذ قدمنا * فقرنا وداعهم بالسؤال وفيها فادى الرشيد الأسارى من المسلمين الذين كانوا ببلاد الروم ، حتى يقال إنه لم يترك بها أسيرا من المسلمين . فقال فيه بعض الشعراء : وفكت بك الاسرى التي شيدت لها * محابس ما فيها حميم يزورها على حين أعيا المسلمين فكاكها * وقالوا سجون المشركين قبورها وفيها رابط القاسم بن الرشيد بمرج دابق يحاصر الروم . وفيها حج بالناس العباس بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . ذكر من توفي فيها من الأعيان علي بن حمزة بن عبد الله بن فيروز أبو الحسن الأسدي مولاهم ، الكوفي المعروف بالكسائي لاحرامه في كساء ، وقيل لاشتغاله على حمزة الزيات في كساء ، كان نحويا لغويا أحد أئمة القراء ، أصله من الكوفة ثم استوطن بغداد ، فأدب الرشيد وولده الأمين ، وقد قرأ على حمزة بن حبيب الزيات قراءته ، وكان يقرئ بها ، ثم اختار لنفسه قراءة وكان يقرأ بها . وقد روى عن أبي بكر بن عياش وسفيان بن عيينة وغيرهما ، وعنه يحيى بن زياد الفراء وأبو عبيد . قال الشافعي : من أراد النحو فهو عيال على الكسائي . أخذ الكسائي عن الخليل صناعة النحو فسأله يوما : عن من أخذت هذا العلم ؟ قال : من بوادي الحجاز . فرحل الكسائي إلى هناك فكتب عن العرب شيئا كثيرا ، ثم عاد إلى الخليل فإذا هو قد مات وتصدر في موضعه يونس ، فجرت بينهما مناظرات أقر له فيها يونس بالفضل ، وأجلسه في موضعه . قال الكسائي : صليت يوما بالرشيد فأعجبتني قراءتي ، فغلطت غلطة ما غلطها صبي ، أردت أن أقول لعلهم يرجعون ، فقلت لعلهم ترجعين ، فما تجاسر الرشيد أن يردها . فما سلمت قال : أي لغة هذه ؟ فقلت : إن الجواد قد يعثر . فقال : أما هذا فنعم . وقال بعضهم : لقيت الكسائي فإذا هو مهموم ، فقلت : ما لك ؟ فقال : إن يحيى بن خالد قد وجه إلي ليسألني عن أشياء فأخشى من الخطأ ، فقلت : قل ما شئت فأنت الكسائي ، فقال : قطعه الله - يعني لسانه - إن قلت ما لم أعلم . وقال الكسائي يوما قلت لنجار : بكم هذان البابان ؟ فقال : بسالجيان يا مصفعان . توفي الكسائي في هذه السنة على المشهور ، عن سبعين سنة . وكان في صحبة الرشيد ببلاد الري