ابن كثير
214
البداية والنهاية
فأنزلتهن في مسجد مهجور ثم قصدت مسجدا مأهولا أصلي فيه . فدخلت مسجدا فيه جماعة لم أر أحسن وجوها منهم ، فجلست إليهم فجعلت أدبر في نفسي كلاما أطلب به منهم قوتا للعيال الذين معي ، فيمنعني من ذلك السؤال الحياء ، فبينا أنا كذلك إذا بخادم قد أقبل فدعاهم فقاموا كلهم وقمت معهم ، فدخلوا دارا عظيمة ، فإذا الوزير يحيى بن خالد جالس فيها فجلسوا حوله ، فعقد عقد ابنته عائشة على ابن عم له ونثروا فلق المسك وبنادق العنبر ، ثم جاء الخدم إلى كل واحد من الجماعة بصينية من فضة فيها ألف دينار ، ومعها فتات المسك ، فأخذها القوم ونهضوا وبقيت أنا جالسا ، وبين يدي الصينية التي وضعوها لي ، وأنا أهاب أن آخذها من عظمتها في نفسي ، فقال لي بعض الحاضرين : ألا تأخذها وتذهب ؟ فمددت يدي فأخذتها فأفرغت ذهبها في جيبي وأخذت الصينية تحت إبطي وقمت ، وأنا خائف أن تؤخذ مني ، فجعلت أتلفت والوزير ينظر إلي وأنا لا أشعر ، فلما بلغت الستارة أمرهم فردوني فيئست من المال ، فلما رجعت قال لي : ما شأنك خائف ؟ فقصصت عليه خبري ، فبكى ثم قال لأولاده : خذوا هذا فضموه إليكم . فجاءني خادم فأخذ مني الصينية والذهب وأقمت عندهم عشرة أيام من ولد إلى ولد ، وخاطري كله عند عيالي ، ولا يمكنني الانصراف ، فلما انقضت العشرة الأيام جاءني خادم فقال : ألا تذهب إلى عيالك ؟ فقلت : بلى والله ، فقام يمشي أمامي ولم يعطني الذهب والصينية ، فقلت : يا ليت هذا كان قبل أن يؤخذ مني الصينية والذهب ، يا ليت عيالي رأوا ذلك . فسار يمشي أمامي إلى دار لم أر أحسن منها ، فدخلتها فإذا عيالي يتمرغون في الذهب والحرير فيها ، وقد بعثوا إلى الدار مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار ، وكتابا فيه تمليك الدار بما فيها ، وكتابا آخر فيه تمليك قريتين جليلتين ، فكنت مع البرامكة في أطيب عيش ، فلما أصيبوا أخذ مني عمرو بن مسعدة القريتين وألزمني بخراجهما ، فكلما لحقتني فاقة قصدت دورهم وقبورهم فبكيت عليهم . فأمر المأمون برد القريتين ، فبكى الشيخ بكاء شديدا فقال المأمون : مالك ؟ ألم استأنف بك جميلا ؟ قال : بلى ! ولكن هو من بركة البرامكة . فقال له المأمون : امض مصاحبا فإن الوفاء مبارك ، ومراعاة حسن العهد والصحبة من الايمان . وفيها توفي : الفضيل بن عياض أبو علي التميمي أحد أئمة العباد الزهاد ، وهو أحد العلماء والأولياء ، ولد بخراسان بكورة دينور ( 1 ) وقدم الكوفة وهو كبير ، فسمع بها الأعمش ومنصور بن المعتمر وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم . ثم انتقل إلى مكة فتعبد بها ، وكان حسن التلاوة كثير الصلاة والصيام ، وكان سيدا جليلا ثقة من أئمة الرواية رحمه الله ورضي عنه . وله مع الرشيد قصة طويلة . وقد روينا ذلك مطولا في كيفية دخول الرشيد عليه منزله ، وما قال له الفضيل بن عياض ، وعرض
--> ( 1 ) قال ابن سعد : ولد بخراسان . وفي تذكرة الحفاظ 1 / 246 وابن الأثير 6 / 189 : ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد وفي صفة الصفوة 2 / 237 : ولد بخراسان بكورة أبيورد . وانظر مروج الذهب 3 / 434 ووفيات الأعيان 4 / 49 .