ابن كثير
211
البداية والنهاية
الرشيد على حالة انفرد بها ، ولم يشاركه فيها أحد . وكان سمح الأخلاق طلق الوجه ظاهر البشر . أما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فأشهر من أن يذكر . وكان أيضا من ذوي الفصاحة والمذكورين بالبلاغة . وروى ابن عساكر عن مهذب حاجب العباس بن محمد صاحب قطيعة العباس والعباسية أنه أصابته فاقة وضائقة ، وكان عليه ديون ، فألح عليه المطالبون وعنده سفط فيه جواهر شراؤه عليه ألف ألف ، فأتى به جعفرا فعرضه عليه وأخبره بما هو عليه من الثمن ، وأخبره بالحاح المطالبين بديونهم ، وأنه لم يبق له سوى هذا السفط . فقال : قد اشتريته منك بألف ألف ثم أقبضه المال وقبض السفط منه ، وكان ذلك ليلا . ثم أمر من ذهب بالمال إلى منزله وأجلسه معه في السمر تلك الليلة ، فلما رجع إلى منزله إذا السفط قد سبقه إلى منزله أيضا . قال فلما أصبحت غدوت إلى جعفر لا تشكر له فوجدته مع أخيه الفضل على باب الرشيد يستأذنان عليه ، فقال له جعفر : إني قد ذكرت أمرك للفضل ، وقد أمر لك بألف ألف ، وما أظنها إلا قد سبقتك إلى منزلك ، وسأفاوض فيك أمير المؤمنين . فلما دخل ذكر له أمره وما لحقه من الديون فأمر له بثلاثمائة ألف دينار . وكان جعفر ليلة في سمره عند بعض أصحابه ( 1 ) فجاءت الخنفساء فركبت ثياب الرجل فألقاها عنه جعفر وقال : إن الناس يقولون : من قصدته الخنفساء يبشر بمال يصيبه . فأمر له جعفر بألف دينار . ثم عادت الخنفساء ، فرجعت إلى الرجل فأمر له بألف دينار أخرى . وحج مرة مع الرشيد فلما كانوا بالمدينة قال لرجل من أصحابه : انظر جارية أشتريها تكون فائقة في الجمال والغناء والدعابة ، ففتش الرجل فوجد جارية على النعت فطلب سيدها فيها مالا كثيرا على أن يراها جعفر ، فذهب جعفر إلى منزل سيدها فلما رآها أعجب بها ، فلما غنته أعجبته أكثر ، فساومه صاحبها فيها ، فقال له جعفر : قد أحصرنا مالا فإن أعجبك وإلا زدناك ، فقال لها سيدها : إني كنت في نعمة وكنت عندي في غاية السرور ، وإنه قد انقبض علي حالي ، وإني قد أحببت أن أبيعك لهذا الملك ، لكي تكوني عنده كما كنت عندي . فقالت له الجارية : والله يا سيدي لو ملكت منك كما ملكت مني لم أبعك بالدنيا وما فيها ، وأين ما كنت عاهدتني أن لا تبيعني ولا تأكل من ثمني . فقال سيدها لجعفر وأصحابه : أشهدكم أنها حرة لوجه الله ، وأني قد تزوجتها . فلما قال ذلك نهض جعفر وقام أصحابه وأمروا الحمال أن يحمل المال . فقال جعفر : والله لا يتبعني ، وقال للرجل : قد ملكتك هذا المال فأنفقه على أهلك ، وذهب وتركه . هذا وقد كان يبخل بالنسبة إلى أخيه الفضل ، إلا أن الفضل كان أكثر منه مالا . وروى ابن عساكر من طريق الدارقطني بسنده أنه لما أصيب جعفر وجدوا له في جرة ألف دينار ، زنة كل دينار
--> ( 1 ) الرواية في ابن خلكان وذكر : أنه كان عنده أبو عبيد الثقفي . . . وذكر تمام الرواية 1 / 331 .