ابن كثير
206
البداية والنهاية
برأسه . فكرر عليه جعفر المقالة فقال الرشيد في الثالثة : برئت من المهدي إن لم تأتني برأسه لأبعثن من يأتيني برأسك ورأسه . فرجع إلى جعفر فحز رأسه وأتى به إلى الرشيد فألقاه بين يديه ، وأرسل الرشيد من ليلته البرد بالاحتياط على البرامكة جميعهم ببغداد وغيرها ، ، ومن كان منهم بسبيل . فأخذوا كلهم عن آخرهم . فلم يفلت منهم أحد . وحبس يحيى بن خالد في منزله ، وحبس الفضل بن يحيى في منزل آخر وأخذ جميع ما كانوا يملكونه من الدنيا ، وبعث الرشيد برأس جعفر وجثته فنصب الرأس عند الجسر الاعلى ، وشقت الجثة باثنتين فنصب نصفها الواحد عند الجسر الأسفل ، والآخر عند الجسر الآخر ، ثم أحرقت بعد ذلك . ونودي في بغداد : أن لا أمان للبرامكة ولا لمن آواهم ، إلا محمد بن يحيى بن خالد فإنه مستثنى منهم لنصحه للخليفة . وأتي الرشيد بأنس بن أبي شيخ كان يتهم بالزندقة ، وكان مصاحبا لجعفر ، فدار بينه وبين الرشيد كلام ، ثم أخرج الرشيد من تحت فراسه سيفا وأمر بضرب عنقه به ( 1 ) . وجعل يتمثل ببيت قيل في قتل أنس قبل ذلك ( 2 ) : تلمظ السيف من شوق إلى أنس ( 3 ) * فالسيف يلحظ والاقدار تنتظر فضربت عنق أنس فسبق السيف الدم فقال الرشيد : رحم الله عبد الله بن مصعب ، فقال الناس : إن السيف كان للزبير بن العوام . ثم شحنت السجون بالبرامكة واستلبت أموالهم كلها ، وزالت عنهم النعمة . وقد كان الرشيد في اليوم الذي قتل جعفرا في آخره ، هو وإياه راكبين في الصيد في أوله ، وقد خلا به دون ولاة العهود ، وطيبه في ذلك بالغالية بيده ، فلما كان وقت المغرب ودعه الرشيد وضمه إليه وقال : لولا أن الليلة ليلة خلوتي بالنساء ما فارقتك ، فاذهب إلى منزلك واشرب واطرب وطب عيشا حتى تكون على مثل حالي ، فأكون أنا وأنت في اللذة سواء . فقال : والله يا أمير المؤمنين لا أشتهي ذلك إلا معك . فقال : لا ! انصرف إلى منزلك . فانصرف عنه جعفر فما هو إلا أن ذهب الليل بعضه حتى أوقع به من البأس والنكال ما تقدم ذكره . وكان ذلك ليلة السبت آخر ليلة من المحرم ، وقيل إنها أول ليلة من صفر في هذه السنة ، وكان عمر جعفر إذ ذاك سبعا وثلاثين سنة ، ولما جاء الخبر إلى أبيه يحيى بن خالد بقتله قال : قتل الله ابنه . ولما قيل له : قد خربت دارك قال : خرب الله دوره . ويقال : إن يحيى لما نظر إلى دوره وقد هتكت ستورها واستبيحت قصورها ، وانتهب ما فيها . قال : هكذا تقوم الساعة . وقد كتب إليه بعض أصحابه يعزيه فيما جرى له ، فكتب إليه جواب التعزية : أنا بقضاء الله راض ، وباختياره عالم ، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم ، وما الله بظلام للعبيد . وما يغفر الله أكثر ولله الحمد . وقد أكثر الشعراء من المراثي في
--> ( 1 ) تولى قتله - في رواية للطبري - إبراهيم بن عثمان بن نهيك . ( 2 ) نسبه ابن الأعثم لأبي كبير الهذلي ، والبيت ليس في ديوان الهذليين . ( 3 ) في ابن الأعثم 8 / 277 : إلى النفس .