ابن كثير

204

البداية والنهاية

حبس مروان الحمار إبراهيم بن محمد بحران ، فتحيرت الشيعة العباسية فيمن يولون ، ومن يكون ولي الأمر من بعده إن قتل ؟ فذهب يقطين هذا إلى مروان فوقف بين يديه في صورة تاجر فقال : يا أمير المؤمنين إني قد بعث إبراهيم بن محمد بضاعة ولم أقبض ثمنها منه حتى أخذته رسلك ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بيني وبينه لأطالبه بمالي فعل قال : نعم ! فأرسل به إليه مع غلام ، فلما رآه قال : يا عدو الله إلى من أوصيت بعدك آخذ مالي منه ؟ فقال له : إلى ابن الحارثية - يعني أخاه عبد الله السفاح - فرجع يقطين إلى الدعاة إلى بني العباس فأعلمهم بما قال ، فبايعوا السفاح ، فكان من أمره ما ذكرناه . ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة فيها كان مهلك البرامكة على يدي الرشيد ، قتل جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي ، ودمر ديارهم واندرست آثارهم ، وذهب صغارهم وكبارهم . وقد اختلف في سبب ذلك على أقوال ذكرها ابن جرير وغيره ، قيل إن الرشيد كان قد سلم يحيى بن عبد الله بن حسن إلى جعفر البرمكي ليسجنه عنده ، فما زال يحيى يترفق له حتى أطلقه ، فنم الفضل بن الربيع ذلك إلى الرشيد فقال له الرشيد : ويلك لا تدخل بيني وبين جعفر ، فلعله أطلقه عن أمري وأنا لا أشعر . ثم سأل الرشيد جعفرا عن ذلك فصدقه فتغيظ عليه وحلف ليقتلنه ، وكره البرامكة ، ثم قتلهم وقلاهم بعد ما كانوا أحظى الناس عنده ، وأحبهم إليه ، وكانت أم جعفر والفضل أم الرشيد من الرضاعة ، وقد جعلهم الرشيد من الرفعة في الدنيا وكثرة المال بسبب ذلك شيئا كثيرا لم يحصل لمن قبلهم من الوزراء ولا لمن بعدهم من الأكابر والرؤساء ، بحيث إن جعفرا بنى دارا غرم عليها عشرين ألف ألف درهم ، وكان ذلك من جملة ما نقمه عليه الرشيد . ويقال : إنما قتلهم الرشيد لأنه كان لا يمر ببلد ولا إقليم ولا قرية ولا مزرعة ولا بستان إلا قيل هذا لجعفر ، ويقال إن البرامكة كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد وإظهار الزندقة . وقيل إنما قتلهم بسبب العباسة . ومن العلماء من أنكر ذلك وإن كان ابن جرير قد ذكره . وذكر ابن الجوزي أن الرشيد سئل عن سبب قتله البرامكة فقال : لو أعلم أن قميصي يعلم ذلك لأحرقته . وقد كان جعفر يدخل على الرشيد بغير إذن حتى كان يدخل عليه وهو في الفراش مع حظاياه - وهذه وجاهة ومنزلة عالية - وكان عنده من أحظى العشراء على الشراب المسكر - فإن الرشيد كان يستعمل في أواخر أيام خلافته المسكر - وكان أحب أهله إليه أخته العباسة بنت المهدي ، وكان يحضرها معه ، وجعفر البرمكي حاضر أيضا معه ، فزوجه بها ليحل النظر إليها ، واشترط عليه أن لا يطأها . وكان الرشيد ربما قام وتركهما وهما ثملان من الشراب فربما واقعها جعفر فحبلت منه فولدت ولدا وبعثته مع بعض جواريها إلى مكة ، وكان يربى بها . وذكر ابن خلكان أن الرشيد لما زوج أخته العباسة من جعفر أحبها حبا شديدا ، فراودته عن