ابن كثير
182
البداية والنهاية
ويقول : هذا فلان الشاعر فيأمره فينشد . حتى كان من آخرهم ابن هرمة هذا ، فسمعته يقول : لا مرحبا ولا أهلا ولا أنعم الله بك عينا . قال : فقلت : هلكت ، ثم استنشدني فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها : سرى ثوبه عند الصبا المتجابل ( 1 ) * وقرب للبين الخليط المزايل حتى انتهيت إلى قولي : فأما الذي أمنته يأمن الردى * وأما الذي حاولت بالثكل ثاكل قال : فأمر برفع الحجاب فإذا وجهه كأنه فلقة قمر ، فاستنشدني بقية القصيدة وأمر لي بالقرب بين يديه ، والجلوس إليه ، ثم قال : ويحك يا إبراهيم ! لولا ذنوب بلغتني عنك لفضلتك على أصحابك ، فقلت : يا أمير المؤمنين كل ذنب بلغك عني لم تعف عنه فأنا مقر به . قال : فتناول المخصرة فضربني بها ضربتين وأمر لي بعشرة آلاف وخلعة وعفا عني وألحقني بنظرائي . وكان من جملة ما نقم المنصور عليه قوله : ومهما الام ( 2 ) على حبهم * فإني أحب بني فاطمة بني بنت من جاء بالمحكمات * وبالدين وبالسنة القائمة فلست أبالي بحبي لهم * سواهم من النعم السائمة قال الأخفش . قال لنا ثعلب قال الأصمعي : ختمت الشعراء بابن هرمة . ذكر وفاته في هذه السنة أبو الفرج ابن الجوزي ( 3 ) . وفيها توفي الجراح بن مليح والد وكيع بن الجراح ، وسعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن جميل أبو عبد الله المديني ، ولي قضاء بغداد سبع عشرة سنة لعسكر المهدي ، وثقه ابن معين وغيره . وفيها توفي : صالح بن بشير المري أحد العباد والزهاد ، كان كثير البكاء وكان يعظ فيحضر مجلسه سفيان الثوري وغيره من العلماء ، ويقول : سفيان هذا نذير قوم ، وقد استدعاه المهدي ليحضر عنده فجاء إليه راكبا على حمار فدنا من بساط الخليفة وهو راكب فأمر الخليفة ابنيه - وليي العهد من بعده موسى الهادي وهارون
--> ( 1 ) كذا بالأصل ولعل فيه تحريفا . ( 2 ) لم يجزم الفعل هنا ، وهو شاذ لضرورات الشعر . ( 3 ) في خزانة الأدب 1 / 425 : مات في خلافة الرشيد بعد الخمسين ومائة تقريبا . وقال في الذريعة 1 / 314 : وفي سنتي ولادته ووفاته خلاف .