ابن كثير

177

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة فيها أخذ الرشيد بولاية العهد من بعده لولده محمد بن زبيدة وسماه الأمين ، وعمره إذ ذاك خمس سنين ، فقال في ذلك سلم الخاسر : قد وفق الله الخليفة إذ بنى * بيت الخلافة للهجان الأزهر فهو الخليفة عن أبيه وجده * شهدا عليه بمنظر وبمخبر قد بايع الثقلان في مهد الهدى * لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر وقد كان الرشيد يتوسم النجابة والرجاحة في عبد الله المأمون ، ويقول : والله إن فيه حزم المنصور ، ونسك المهدي ، وعزة نفس الهادي . ولو شئت أن أقول الرابعة مني لقلت ، وإني لأقدم محمد بن زبيدة وإني لاعلم أنه متبع هواه ولكن لا أستطيع غير ذلك . ثم أنشأ يقول : لقد بان وجه الرأي لي غير أنني * غلبت على الامر الذي كان أحزما وكيف يرد الدر في الضرع بعدما * نوزع حتى صار نهبا مقسما أخاف التواء الامر بعد استوائه * وأن ينقض الامر الذي كان أبرما وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح ، في قول الواقدي . وحج بالناس الرشيد . وفيها سار يحيى بن عبد الله بن حسن إلى الديلم وتحرك هناك . وفيها توفي من الأعيان : شعوانة العابدة الزاهدة كانت أمة سوداء كثيرة العبادة روي عنها كلمات حسان ، وقد سألها الفضيل بن عياض الدعاء فقالت : أما بينك وبينه ما إن دعوته استجاب لك ؟ فشهق الفضيل ووقع مغشيا عليه . وفيها توفي : الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم قال ابن خلكان : كان مولى قيس بن رفاعة وهو مولى عبد الرحمن بن مسافر الفهمي ، كان الليث إمام الديار المصرية بلا مدافعة ، وولد بقرقشندة من بلاد مصر سنة أربع وتسعين . وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة ، ونشأ بالديار المصرية . وقال ابن خلكان : أصله من قلقشندة ( 1 ) وضبطه بلامين الثانية متحركة . وحكى عن بعضهم أنه كان جيد الذهن ، وأنه ولي القضاء بمصر فلم يحمدوا

--> ( 1 ) قلقشندة : قرية من قرى الوجه البحري من القاهرة ، بينها وبين القاهرة مقدار ثلاثة فراسخ وقرقشندة : قرية بأسفل مصر بالريف ولد بها الليث بن سعد ، وأهل بيته يقولون إن أصله من الفرس من أهل أصبهان ( معجم البلدان 4 / 327 ) .