ابن كثير

169

البداية والنهاية

إلى بابها والامراء إلى جنابها ، فحلف الهادي لئن عاد أمير إلى بابها ليضربن عنقه ولا يقبل منه شفاعة ، فامتنعت من الكلام في ذلك ، وحلفت لا تكلمه أبدا ، وانتقلت عنه إلى منزل آخر . وألح هو على أخيه هارون في الخلع وبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك - وكان من أكابر الأمراء الذين هم في صف الرشيد - فقال له : ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتولية ابني جعفر ؟ فقال له خالد : إني أخشى أن تهون الايمان على الناس ، ولكن المصلحة تقتضي أن تجعل جعفرا ولي العهد من بعد هارون ، وأيضا فإني أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر ، لأنه دون البلوغ ، فيتفاقم الامر ويختلف الناس . فأطرق مليا - وكان ذلك ليلا - ثم أمر بسجنه ثم أطلقه . وجاء يوما إليه أخوه هارون الرشيد فجلس عن يمينه بعيدا ، فجعل الهادي ينظر إليه مليا ثم قال : يا هارون ! تطمع أن تكون وليا للعهد حقا ؟ فقال : إي والله ، ولئن كان ذلك لأصلن من قطعت ، ولأنصفن من ظلمت ، ولأزوجن بنيك من بناتي . فقال ذاك الظن بك . فقام إليه هارون ليقبل يده فحلف الهادي ليجلس معه على السرير فجلس معه ، ثم أمر له بألف ألف دينار ، وأن يدخل الخزائن فيأخذ منها ما أراد ، وإذا جاء الخراج دفع إليه نصفه . ففعل ذلك كله ورضي الهادي عن الرشيد . ثم سافر الهادي إلى حديثة الموصل بعد الصلح ، ثم عاد منها فمات بعيساباذ ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول ( 1 ) ، وقيل لآخر سنة سبعين ومائة ، وله من العمر ثلاث وعشرون سنة ( 2 ) ، وكانت خلافته ستة أشهر ( 3 ) وثلاثة وعشرون يوما . وكان طويلا جميلا ، أبيض ، بشفته العليا تقلص . وقد توفي هذه الليلة خليفة وهو الهادي ، وولي خليفة وهو الرشيد ، وولد خليفة وهو المأمون بن الرشيد . وقد قالت الخيزران أمهما في أول الليل : إنه بلغني أن يولد خليفة ويموت خليفة ويولى خليفة . يقال إنها سمعت ذلك من الأوزاعي قبل ذلك بمدة ، وقد سرها ذلك جدا . ويقال : إنها سمت ولدها الهادي خوفا منه على ابنها الرشيد ، ولأنه كان قد أبعدها وأقصاها وقرب حظيته خالصة وأدناها فالله أعلم . وهذا ذكر شئ من ترجمة الهادي هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبو محمد

--> ( 1 ) في الطبري 10 / 38 : ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول . وفي مروج الذهب 3 / 397 : لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول . ( 2 ) اختلف في عمره يوم توفي : قيل أربع وعشرين سنة وقيل ثمان وعشرين سنة وقيل ستا وعشرين سنة ( انظر الطبري وابن الأثير حوادث سنة 170 - ومروج الذهب - والاخبار الطوال ص 386 . وابن الأعثم 8 / 243 ) . ( 3 ) في مدة خلافته اختلاف انظر مروج الذهب 3 / 397 . ابن الأثير 6 / 101 الطبري 10 / 38 ابن الأعثم 8 / 243 الاخبار الطوال ص 386 .