ابن كثير
167
البداية والنهاية
قالوا : فلم يعش بعدها إلا تسعا وعشرين يوما حتى مات رحمه الله تعالى . وقد ذكر ابن جرير اختلافا في سبب موته ، فقيل إنه ساق خلف ظبي والكلاب بين يديه فدخل الظبي إلى خربة فدخلت الكلاب وراءه وجاء الفرس فحمل بمشواره فدخل الخربة فكسر ظهره ، وكانت وفاته بسبب ذلك . وقيل إن بعض حظاياه بعثت إلى أخرى لبنا مسموما فمر الرسول بالمهدي فأكل منه فمات . وقيل بل بعثت إليها بصينية فيها الكمثري وفي أعلاها واحدة كبيرة مسمومة وكان المهدي يعجبه الكمثري ، فمرت به الجارية ومعها تلك الصينية فأخذ التي في أعلاها فأكلها فمات من ساعته ، فجعلت الحظية تندبه وتقول : وا أمير المؤمنيناه ، أردت أن يكون لي وحدي فقتلته بيدي . وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة - أعني سنة تسع وستين ومائة - وله من العمر ثلاث وأربعون سنة على المشهور ، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وكسورا ، ورثاه الشعراء بمراثي كثيرة قد ذكرها ابن جرير وابن عساكر . وفيها توفي عبيد الله بن إياد ( 1 ) ، ونافع بن عمر الجمحي ( 2 ) ، ونافع بن أبي نعيم القارئ ( 3 ) . خلافة موسى الهادي بن المهدي توفي أبوه في المحرم من أول سنة تسع وستين ومائة وكان ولي العهد من بعد أبيه ، وكان أبوه قد عزم قبل موته على تقديم أخيه الرشيد عليه في ولاية العهد ، فلم يتفق ذلك حتى مات المهدي بماسبذان . وكان الهادي إذ ذاك بجرجان ، فهم بعض الدولة منهم الربيع الحاجب وطائفة من القواد على تقديم الرشيد عليه والمبايعة له ، وكان الرشيد حاضرا ببغداد ، عزموا على النفقة على الجند لذلك تنفيذا لما رآه المهدي من ذلك . فأسرع الهادي السير من جرجان إلى بغداد حين بلغه الخبر ، فساق منها إليها في عشرين يوما ، فدخل بغداد وقام في الناس خطيبا ، وأخذ البيعة منهم فبايعوه ، وتغيب الربيع الحاجب فتطلبه الهادي حتى حضر بين يديه ، فعفا عنه وأحسن إليه وأقره على حجو بيته ، وزاده الوزارة وولايات أخر . وشرع الهادي في تطلب الزنادقة من الآفاق فقتل منهم طائفة كثيرة ، واقتدى في ذلك
--> ( 1 ) من شذرات الذهب 1 / 270 وفي الأصل زياد وهو تحريف . وهو عبيد الله بن إياد بن لقيط الكوفي كان عريف قومه بني سدوس . قال في المغني : ثقة . ( 2 ) وهو نافع بن عمر الجمحي القرشي المكي ، محدث مكة حافظ ثبت . قال صاحب المغني : حجة وقال أحمد : ثقة ثبت . وقال ابن سعد : ثقة فيه شئ . ( 3 ) وهو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي بالولاء المدني أحد القراء السبعة أصله من أصبهان انتهت إليه رئاسة القراءة في المدينة ، أقرأ الناس دهرا طويلا ، وكان أسود اللون حالكا صبيح الوجه حسن الخلق . قال فيه ابن مجاهد : كان عالما بوجوه القراءات متبعا لآثار الأئمة الماضين ببلده . وقال أحمد : كانت تؤخذ عنه القراءة وليس بشئ في الحديث .