ابن كثير

165

البداية والنهاية

فذبحتها ، هلكت نفسك وعيالك . فما التفت إليها ، واستيقظت فاشتويت من لحم تلك الشويهة وقلت له : أعندك شئ أكتب لك فيه كتابا ؟ فأتاني بهذه القطعة فكتبت له بعود من ذلك الرماد خمسمائة ألف ، وإنما أردت خمسين ألفا ، والله لأنفذنها له كلها ولو لم يكن في بيت المال سواها . فأمر له بخمسمائة ألف فقبضها الأعرابي واستمر مقيما في ذلك الموضع في طريق الحاج من ناحية الأنبار ، فجعل يقري الضيف ومن مر به من الناس ، فعرف منزله بمنزل مضيف أمير المؤمنين المهدي . وعن سوار - صاحب رحبة سوار - قال : انصرفت يوما من عند المهدي فجئت منزلي فوضع لي الغداء فلم تقبل نفسي عليه ، فدخلت خلوتي لأنام في القائلة فلم يأخذني نوم ، فاستدعيت بعض حظاياي لا تلهى بها فلم تنبسط نفسي إليها ، فنهضت فخرجت من المنزل وركبت بغلتي فما جاوزت الدار إلا قليلا حتى لقيني رجل ومعه ألفا درهم ، فقلت : من أين هذه ؟ فقال : من ملك الجديد . فاستصحبته معي وسرت في أزقة بغداد لا تشاغل عما أنا فيه من الضجر ، فحانت صلاة العصر عند مسجد في بعض الحارات ، فنزلت لأصلي فيه ، فلما قضيت الصلاة إذا برجل أعمى قد أخذ بثيابي فقال : إن لي إليك حاجة ، فقلت : وما حاجتك ؟ فقال : إني رجل ضرير ولكنني لما شممت رائحة طيبك ظننت أنك من أهل النعمة والثروة ، فأحببت أن أفضي إليك بحاجتي . فقلت : وما هي ؟ فقال : إن هذا القصر الذي تجاه المسجد كان لأبي فسافر منه إلى خراسان فباعه وأخذني معه وأنا صغير ، فافترقنا هناك وأصابني أنا الضرر ، فرجعنا إلى بغداد بعد أن مات أبي ، فجئت إلى صاحب هذا القصر أطلب منه شيئا أتبلغ به لعلي أجتمع بسوار ، فإنه كان صاحبا لأبي ، فلعله أن يكون عنده سعة يجود منها علي . فقلت : ومن أبوك ؟ فذكر رجلا كان أصحب الناس إلي ، فقلت : إني أنا سوار صاحب أبيك ، وقد منعني الله يومك هذا النوم والقرار والاكل والراحة حتى أخرجني من منزلي لاجتمع بك ، وأجلسني بين يديك ، وأمرت وكيلي فدفع له الألفي الدرهم التي معه ، وقلت له : إذا كان الغد فأت منزلي في مكان كذا وكذا . وركبت فجئت دار الخلافة وقلت : ما أتحف المهدي الليلة في السمر بأغرب من هذا . فلما قصصت عليه القصة تعجب من ذلك جدا وأمر لذلك الأعمى بألفي دينار ، وقال لي : هل عليك دين ؟ قلت : نعم ! قال : كم ؟ قلت : خمسون ألف دينار . فسكت وحادثني ساعة ثم لما قمت من بين يديه فوصلت إلى المنزل إذا الحمالون قد سبقوني بخمسين ألف دينار وألفي دينار للأعمى ، فانتظرت الأعمى أن يجئ في ذلك اليوم فتأخر فلما أمسيت عدت إلى المهدي فقال : قد فكرت في أمرك فوجدتك إذا قضيت دينك لم يبق معك شئ ، وقد أمرت لك بخمسين ألف دينار أخرى . فلما كان اليوم الثالث جاءني الأعمى فقلت : قد رزقني الله بسببك خيرا كثيرا ، ودفعت له الألفي الدينار التي من عند الخليفة وزدته ألفي دينار من عندي أيضا . ووقفت امرأة للمهدي فقالت : يا عصبة رسول الله اقض حاجتي . فقال المهدي : ما سمعتها من أحد غيرها ، اقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم . ودخل ابن الخياط على المهدي فامتدحه