ابن كثير

162

البداية والنهاية

وإنما لقب بالمهدي رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث فلم يكن به ، وإن اشتركا في الاسم فقد افترقا في الفعل ، ذاك يأتي في آخر الزمان عند فساد الدنيا فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما . وقد قيل إن في أيامه ينزل عيسى بن مريم بدمشق كما سيأتي ذلك في أحاديث الفتن والملاحم . وقد جاء في حديث من طريق عثمان بن عفان : أن المهدي من بني العباس ، وجاء موقوفا على ابن عباس وكعب الأحبار ولا يصح ، وبتقدير صحة ذلك لا يلزم أن يكون على التعيين ، وقد ورد في حديث آخر أن المهدي من ولد فاطمة فهو يعارض هذا والله أعلم . وأم المهدي بن المنصور أم موسى بنت منصور بن عبد الله الحميري . روى عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم " . رواه عنه يحيى بن حمزة النهشلي قاضي دمشق ، وذكر أنه صلى خلف المهدي حين قدم دمشق فجهر في السورتين بالبسملة ، وأسند ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه غير واحد عن يحيى بن حمزة ، ورواه المهدي عن المبارك بن فضالة ، ورواه عنه أيضا جعفر بن سليمان الضبعي ، ومحمد بن عبد الله الرقاشي ، وأبو سفيان سعيد بن يحيى بن مهدي . وكان مولد المهدي في سنة ست أو سبع وعشرين ومائة ، أو في سنة إحدى وعشرين ومائة ولي الخلافة بعد موت أبيه في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة ، وعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة ، ولد بالحميمة من أرض البلقاء ، وتوفي في المحرم من هذه السنة أعني سنة تسع وستين ومائة عن ثلاث أو ثمان وأربعين سنة ، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وبعض شهر ، وكان أسمر طويلا جعد الشعر ، على إحدى عينيه نكتة بيضاء ، قيل على عينه اليمنى ، وقيل اليسرى . قال الربيع الحاجب : رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة في بهو له عليه ثياب حسنة ، فما أدري هو أحسن أم القمر ، أم بهوه ، أم ثيابه . فقرأ ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) [ محمد : 22 ] الآية . ثم أمرني فأحضرت رجلا من أقاربه كما مسجونا فأطلقه ( 1 ) . ولما جاء خبر موت أبيه بمكة كما تقدم ، كتم الامر يومين ثم نودي في الناس يوم الخميس الصلاة جامعة ، فقام فيهم خطيبا فأعلمهم موت أبيه وقال : إن أمير المؤمنين دعي فأجاب فعند الله أحتسب أمير المؤمنين وأستعينه على خلافة المسلمين . ثم بايعه الناس بالخلافة يومئذ . وقد عزاه أبو دلامة وهنأه في قصيدة له يقول فيها : عيناي واحدة ترى مسرورة * بأميرها جذلا وأخرى تذرف تبكي وتضحك تارة ويسوءها * ما أنكرت ويسرها ما تعرف فيسوءها موت الخليفة محرما * ويسرها أن قام هذا الأرأف ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى * شعرا أرجله وآخر ينتف هلك الخليفة يال أمة أحمد * وأتاكم من بعده من يخلف أهدى لهذا الله فضل خلافة * ولذاك جنات النعيم تزخرف

--> ( 1 ) وهو موسى بن جعفر - انظر الطبري 10 / 15 وابن الأثير 6 / 85 .